من حماية الحرمين إلى المتاجرة بهما.. كيف حوّل النظام السعودي المقدسات إلى ورقة حربٍ ضد اليمن؟
لم يكن النظام السعودي يوماً حامياً للمقدسات أو مؤتمناً عليها، بل كان دائماً أول من يبيعها في أسواق السياسة عندما تضيق به السبل، فمنذ أن أطلق آلة عدوانه وإجرمه على اليمن بغطاء ودعم وإسناد أمريكي في مارس 2015، وهو يبحث عن غطاءٍ دينيٍّ يخفي به جرائمه، ويتستر خلفه عن فضائحه، فلم يجد أقدس من مكة والمدينة ليتخذهما درعاً بشرياً أمام ضربات اليمن الموجعة، وورقةً إعلاميةً رخيصةً يحشد بها المشاعر ويصرف بها الأنظار عن دماء اليمنيين التي سالت بلا ذنب.
إنها لعبةٌ قذرةٌ يعرفها العالم جيداً: كلما ضاقت مساحة المناورة السياسية والإعلامية أمام الرياض، عادت المقدسات إلى واجهة خطابها، وكأن استحضار اسم مكة أو المدينة كفيلٌ بإسكات الأسئلة، وإغلاق أبواب النقاش، وتحويل أي اتهامٍ إلى حقيقةٍ مكتملة في أذهان الجمهور قبل تقديم الدليل عليها.
لكن الحقيقة التي يخشاها آل سعود، والتي يكشفها هذا التقرير، هي أنهم لم يحموا المقدسات يوماً، بل حوّلوها إلى سلعةٍ سياسيةٍ تُستخدم في معارك التضليل، وإلى غطاءٍ لعدوانٍ مستمرٍ على اليمن أرضاً وإنساناً. فهل ينتظر المسلمون حتى تقع الكارثة ليدركوا أن أقدس مقدساتهم أصبحت رهينةً في يد نظامٍ لا يتردد في بيعها ثمناً لبقائه؟
يمانيون| محسن علي
الحرمين في حسابات المعركة الإعلامية
منذ بدء العدوان الأمريكي السعودي على اليمن في مارس 2015، لم تقتصر المواجهة على الطائرات والصواريخ والحصار، بل امتدت إلى جبهة إعلامية واسعة، سعى من خلالها النظام السعودي إلى تقديم نفسه باعتباره طرفاً يدافع عن الأمن والاستقرار، بينما عمل على تصوير صنعاء باعتبارها مصدر تهديد للمنطقة والعالم حسب زعمه، وفي هذا السياق، لم يكن استحضار المقدسات الإسلامية تفصيلاً عابراً، بل مثّل إحدى أكثر الأوراق حساسية في الخطاب السعودي؛ فمكة المكرمة والمدينة المنورة تحظيان بمكانة استثنائية في وجدان المسلمين، واستدعاء اسميهما في سياق الاتهامات العسكرية كفيل بإثارة ردود فعل عاطفية واسعة، خصوصاً عندما يقدم الأمر باعتباره اعتداءً على أقدس المواقع الإسلامية.
ومن هنا تتضح خطورة توظيف هذه الرمزية في الصراع؛ إذ لا يعود الهدف مقتصراً على إقناع الجمهور برواية عسكرية معينة، بل يمتد إلى استثارة العاطفة الدينية، ونقل المواجهة من سياقها السياسي والعسكري إلى مساحة أكثر حساسية، يصبح فيها مجرد الاتهام وسيلة للتأليب والتحشيد.
صاروخ أكتوبر 2016.. بداية توظيف رواية استهداف مكة
في 27 أكتوبر 2016، أعلنت قيادة تحالف العدوان الأمريكي السعودي اعتراض صاروخ باليستي قالت إنه أُطلق من الأراضي اليمنية باتجاه منطقة مكة المكرمة، وذكرت أنه جرى تدميره على مسافة تقارب 65 كيلومتراً من المدينة المقدسة، وسرعان ما تحولت الواقعة إلى حملة إعلامية واسعة، جرى خلالها تقديم الحادثة باعتبارها استهدافاً لمكة، مع استدعاء المواقف الدينية والإقليمية لإدانة صنعاء، وتصوير العملية باعتبارها اعتداءً على مشاعر المسلمين.
في المقابل، رفضت صنعاء تلك الاتهامات، وأكدت أن الصاروخ لم يكن موجهاً إلى مكة المكرمة، فيما تحدثت وسائل إعلامها عن استهداف مطار الملك عبدالعزيز في جدة، وبذلك وضعت الواقعة أمام روايتين متعارضتين بشأن الهدف المقصود، دون أن يصدر تحقيق فني مستقل يحسم بصورة قاطعة مسار الصاروخ ووجهته النهائية، وهنا تكمن النقطة التي تستحق التوقف: كيف انتقل الحديث من إعلان اعتراض صاروخ على مسافة من مكة إلى تقديم الواقعة باعتبارها استهدافاً مباشراً للمدينة المقدسة؟ ولماذا لم يكن تقديم الأدلة الفنية المستقلة محور النقاش بقدر ما كانت حملات الإدانة والتحريض؟ إن تحويل الاتهام إلى حقيقة نهائية قبل استكمال التحقق منه يكشف خطورة التعامل السياسي مع القضايا ذات الحساسية الدينية، ويجعل المقدسات حاضرة في معركة الروايات بدلاً من أن تكون بعيدة عنها.
مايو 2019.. إعادة تدوير الاتهام
لم تتوقف المسألة عند واقعة عام 2016؛ ففي مايو 2019، عادت وسائل إعلام سعودية إلى تداول اتهامات بإطلاق صواريخ باتجاه منطقة مكة المكرمة، في وقت كانت فيه المنطقة تشهد تصعيداً سياسياً وعسكرياً واسعاً، وسارعت صنعاء إلى نفي استهداف مكة، واعتبرت الاتهامات محاولة لحشد التأييد للحرب على اليمن وتبرير استمرار العدوان، وفق تصريحات المتحدث العسكري العميد يحيى سريع آنذاك.
واللافت في هذه الواقعة أن الاتهام عاد إلى الواجهة في توقيت كانت فيه المواجهة الإقليمية تشهد تصعيداً كبيراً، ما أعاد طرح التساؤل حول العلاقة بين توقيت الاتهامات والحاجة إلى توجيه الرأي العام نحو رواية معينة، فبدلاً من أن يكون النقاش منصباً على طبيعة الهجمات والأهداف العسكرية والجهات المسؤولة عنها، جرى تقديم اسم مكة المكرمة في مقدمة المشهد الإعلامي، بما يحمله ذلك من تأثير عاطفي وديني يتجاوز تفاصيل الواقعة ذاتها.
من حماية الحرمين إلى توظيفهما سياسياً
لا خلاف بين المسلمين على حرمة مكة المكرمة والمدينة المنورة ووجوب حمايتهما من أي اعتداء، لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول هذه الحقيقة الدينية الجامعة إلى وسيلة لاحتكار الموقف الإسلامي، أو لتقديم طرف سياسي باعتباره الممثل الوحيد للدفاع عن المقدسات، فالنظام السعودي، الذي يضع حماية الحرمين في صدارة خطابه السياسي والإعلامي، لا يمكنه أن يجعل هذه المكانة حصانة لسياساته أو وسيلة لإعفاء رواياته من المساءلة والتحقق، كما أن مسؤولية حماية المقدسات لا تنفصل عن مسؤولية احترام دماء المسلمين وحقوقهم، وحماية المدنيين، وعدم تحويل الدين إلى غطاء للصراعات السياسية والعسكرية.
ومن هذا المنطلق، فإن استحضار الحرمين في سياق العدوان على اليمن يطرح مفارقة تستحق المساءلة: كيف يمكن أن تتصدر شعارات حماية المقدسات خطاباً سياسياً، بينما يعيش اليمنيون سنوات من القصف والحصار وتدهور الأوضاع الإنسانية؟ ولماذا لا تحظى حرمة الدم اليمني والمواقع الدينية والمدنية في اليمن بالقدر نفسه من الاهتمام في الخطاب السعودي؟ إنها أسئلة لا تلغي حقائق الوقائع العسكرية ولا تحسم المسؤولية عن كل حادثة، لكنها تكشف ازدواجية المعايير عندما تصبح قدسية المكان حاضرة بقوة في خطاب طرف، بينما تغيب معاناة المدنيين في الطرف الآخر.
اتهامات جديدة.. هل تتكرر الأسطوانة ذاتها؟
وفي سياق أحدث، عادت الاتهامات السعودية المتعلقة بمكة والمدينة إلى الواجهة خلال سبتمبر وأكتوبر 2026، وفق تقارير إعلامية دولية، إذ أعلنت الرياض اعتراض مسيّرة قالت إنها كانت متجهة نحو مكة، كما اتهمت صنعاء بالوقوف وراء استهداف محطة توزيع كهرباء في المدينة المنورة، وهو ما نفته صنعاء، وتكشف هذه التطورات عن استمرار حضور ملف المقدسات في الخطاب السعودي خلال التصعيد الأخير، غير أن تكرار الاتهامات لا يجعلها حقائق مثبتة، فكل حادثة تحتاج إلى أدلة فنية واضحة، وتحديد دقيق لموقعها وطبيعة الهدف والجهة المسؤولة عنها، بعيداً عن الأحكام السياسية المسبقة التي دأب عليها الإعلام السعودي المضلل، وهنا تتجدد المطالبة بأن تكون حماية الحرمين قضية إسلامية جامعة، لا ورقة في يد النظام السعودي لتصفية حساباته أو تعبئة الجمهور ضد خصومه.
صنعاء ترفض تحويل المقدسات إلى غطاء للعدوان
من منظور صنعاء، لا تنفصل الاتهامات المتعلقة باستهداف الحرمين عن سياق أوسع من الحملات المضللة التي رافقت ولا تزال العدوان على اليمن، والتي سعت إلى تقديم العمليات العسكرية اليمنية باعتبارها تهديداً للأمن الإقليمي والدولي، مع إغفال الظروف التي دفعت إلى المواجهة وما تعرض له اليمن من قصف وحصار، إذ تؤكد صنعاء في خطابها السياسي والعسكري والشعبي رفض مزاعم استهداف المقدسات الإسلامية، وتعتبر أن الزج باسم مكة والمدينة في الاتهامات الموجهة إليها محاولة لاستثارة المشاعر الدينية وصرف الأنظار عن مسؤولية التحالف عن الحرب وما خلفته من دمار ومعاناة إنسانية.
معركة الرواية.. من يملك الحقيقة؟
لقد أثبتت سنوات العدوان والحصار على اليمن أن المعركة لم تكن عسكرية فقط، بل رافقتها محاولات مستمرة للتأثير في الرأي العام وتشكيل المواقف الإقليمية والدولية وفي مثل هذه البيئة، يصبح الإعلام ساحة رئيسية للصراع، وتتحول بعض القضايا إلى أدوات للتعبئة والتحشيد، خصوصاً عندما ترتبط بالدين والهوية والمقدسات والتي تسعى الرياض من خلالها للتمترس خلف المقدسات الإسلامية بعد فشلها في اليمن وعجزها في مواجهته، ومن هنا، فإن مواجهة حملات التضليل لا تكون بمجرد إطلاق اتهامات مضادة، بل بكشف التناقضات، ونشر الأدلة، والعودة إلى التقارير المستقلة، ومساءلة كل رواية عن مصادرها ومعطياتها، وهو ما تقوم بتفنيده وتعريته وكشف أباطيله أولا بأول أمام وسائل الإعلام المحلي والعربي والعالمي والدولي,
ختاما
فهل يقتصر توظيف النظام السعودي للمقدسات على استثمار اسم مكة والمدينة في حملاته الإعلامية ضد اليمن لتشويه والتحريض عليه، أم أن وراء هذا التصعيد مخططاً أكبر، تشترك في رسم ملامحه أطراف سعودية وصهيونية وأمريكية، لإبقاء الحرمين في قلب لعبة سياسية وأمنية خطيرة؟
وهل يمكن أن تصل هذه الحسابات إلى حد افتعال أحداث أو صناعة ذريعة تستهدف أمن الحرمين وقدسيتهما، ثم توظيف نتائجها لخلط الأوراق وإشعال مواجهة إسلامية وإقليمية واسعة، وإلصاق المسؤولية باليمن أو بأطراف أخرى؟ ومن يضمن ألا تتحول الاتهامات التي يجري ترويجها اليوم إلى غطاء لسيناريو أخطر غداً، في ظل تداخل المصالح والتحالفات والصراعات؟!
إنها أسئلة تفرض نفسها، وتستدعي يقظة إسلامية واسعة، لأن حماية مكة المكرمة والمدينة المنورة لا تكون باحتكار الحديث باسمهما أو استخدامهما في معارك التضليل، بل بتحييدهما عن المؤامرات والصراعات، وكشف كل محاولة لاستغلال قداستهما أو تعريض أمنهما للخطر. فهل ينتظر المسلمون حتى تقع الكارثة ليدركوا خطورة تحويل أقدس مقدساتهم إلى أوراق في مشاريع الهيمنة والصراع؟.