رسالة اليمن الى العالم

إغتيال الطفولة

رقية المعافا

يفركُ يديهِ بما تبقّى لهُ من طاقة، ينفخُ فيهما ليشحنهما حرارةً لاتستمرّ لثوانٍ ، أنهكهُ الشتاء القارس، لكن عليه أن يُكملَ عَملَهُ ويُنظّف عددا أكثر من السيارات حتى يكتمل لديهِ مصروفُ اليوم.

سمير طفلٌ في الثالثة عشر من عمره ، كانتْ له حياتهُ الهادئة والهانئة ، يذهبُ للمدرسة ، يلعبُ مع أصدقائه، يتخيّل نفسهُ وقد كبُرَ وحقق حُلمه بأن يُصبحَ محاسبا في إحدِى الشركات ، كان والدُ سمير يعملُ بكدّ في مصنعٍ للمواد الغذائية ولايعودُ إلا في المساء من كل يوم ، يُسرعُ سمير ليُقبّل جبينَ أبيه وفي كُلّ مرةٍ يقول له:
– أبي أعدُكَ أني سأتفوّق وسأعملُ في وظيفةٍ مرموقة ، ولن أدعك تتعب .

لكن الذي حدث قلبَ حياة سمير رأسا على عَقِب، ففي أحدِ الأيّام عادَ سمير من مدرستهِ ووجدَ والدتهُ متسمّرة أمام شاشة التلفاز وبيدها الهاتفُ النقّال ، تروح وتجيء وهي تتصلُ مرارا وتكرارا .. بلا جدوى! كانَ الخبرُ العاجل في شاشة التلفاز يقول :
غارةُ طيرانٍ العدوان السعودي الأمريكي تستهدف مصنعاً للمواد الغذائية وراح ضحيّتها عشراتُ الشهداء من عمّال المصنع !.

لم ينسَ سمير ذلك اليوم ، الذي وصلهم خبر استشهاد والدهم إثر تلك الغارة ،، كان مُعيلهم الوحيد والآن أصبح سمير هو رجلُ البيت…!

ينهضُ كلّ يوم في الصباح الباكر ، يذهبُ إلى أكثر الشوارع اكتظاظا بالسيارات ، ينظفُ هذه ويمسحُ تلك ، ويجمعُ القطع النقدية في جيبهِ الصغير إلى أن يحلّ المساء …يعود إلى المنزل يشتري بالنصف طعاما والنصف الآخر يوفره ليدفع به أُجرة المنزل.

لقد تركَ سمير دراستهُ، يتحسّر يوما بعد يوم وهو يرى أصدقائه ذاهبين عائدين من وإلى المدرسة ، لقد أثقلت كاهلهُ هذه المسؤولية ، لم ينسَ حُلمَهُ وهدفَهُ لكنّ كلّ شيء يقفُ ضدّه!

تذكّر سمير والدهُ واغرورقت عيناهُ بالدمع وهو يواجه لسعاتِ الهواء البارد حين قال له:
– أريدك ياسمير أن ترفع رأسي وتكون فخرا لوطنك ، أدرس ياسمير وتعلّم والأهم أن تكون قويا …

مسحَ سمير دموعه التي تتساقط ، ونهض برباطة جأش وهو يقول: نعم أنا قوي ، لن أسمح لليأس أن يسيطر عليّ، لن أسمح للعدوان أن يدمررني ، سأنهضُ من جديد وأكونُ مثل أبي ، وأحقق حلمي، سأدرس وأعمل بجد ومن الله التوفيق .

قد يعجبك ايضا