من الوعي إلى المواجهة .. اليمن يحسم خياراته

تشهد الساحة اليمنية مرحلة مفصلية تتقاطع فيها التحولات الإقليمية مع تصاعد احتمالات المواجهة، في ظل استمرار التهديد الصهيو–أمريكي، وتواصل التدخلات الخارجية والاستفزازات السعودية،  وقد أعادت هذه المتغيرات تشكيل وعي المجتمع بطبيعة الصراع، باعتباره مسارًا مفتوحًا يتطلب جاهزية شاملة، تتجاوز منطق ردود الفعل إلى الاستعداد الواعي والمسؤول،  وفي هذا السياق، تتصاعد التعبئة الشعبية والقبلية بوصفها تعبيرًا عن تماسك داخلي، وإدراك متقدم بأن استهداف اليمن يستهدف هويته وسيادته وقراره المستقل، هذا التحول لم يكن منفصلًا عن دور القيادة، حيث برزت قيادة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله بوصفها بوصلة وعي وموقف، أسهمت في تحصين الجبهة الداخلية، وتعزيز الجهوزية النفسية والمعنوية، وربط الاستعداد المجتمعي برؤية إيمانية واضحة في مواجهة المؤامرات والتحديات.
وانطلاقًا من ذلك، يقدّم التقرير قراءة تحليلية لحالة الجهوزية الشعبية والقبلية، في ضوء المتغيرات الإقليمية، واستمرار التهديدات، والدور القيادي في إدارة الصراع وصناعة الثبات في واحدة من أدق المراحل المفصلية.

يمانيون| أعده للنشر/ طارق الحمامي

التعبئة الشعبية وتحولات الوعي الجمعي

تعبّر التعبئة الشعبية الراهنة عن تحوّل نوعي في وعي المجتمع تجاه طبيعة التهديدات المحيطة. فلم يعد الصراع يُقرأ بمنطق المواجهة العسكرية المباشرة فقط، بل كمعركة متعددة الأبعاد تشمل السياسة، والاقتصاد، والإعلام، والهوية الوطنية.
وقد انعكس هذا التحول في اتساع المشاركة المجتمعية في الفعاليات والأنشطة ذات الطابع التعبوي، وفي خطاب عام يربط بين الاستعداد والصمود، ويؤكد على الشراكة المجتمعية في تحمّل المسؤولية، وهو ما يشير إلى انتقال المجتمع من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، ومن حالة الانتظار إلى الاستعداد المبكر.

الحضور القبلي .. تماسك اجتماعي في مواجهة الضغوط

في موازاة التعبئة الشعبية، يبرز الدور القبلي كرافعة أساسية للتماسك الاجتماعي، فالقبائل، بما تمثله من عمق اجتماعي وتاريخي، أعادت التموضع بوصفها عنصرًا داعمًا للوحدة الوطنية، في ظل إدراك متزايد بأن أي استهداف خارجي لا يميّز بين مكوّن وآخر.
اللقاءات القبلية والبيانات الصادرة عنها تعكس إجماعًا متناميًا حول ضرورة تحصين الجبهة الداخلية، ورفض محاولات التفتيت، وتعزيز قيم التكافل الاجتماعي، بما يمنح المجتمع قدرة أكبر على الصمود أمام الضغوط المتعددة.

المتغيرات السياسية الإقليمية واستمرار التهديد الصهيو–أمريكي

لا يمكن فصل الجهوزية الداخلية عن المتغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، حيث تتواصل السياسات الأمريكية الداعمة للكيان الصهيوني، ويتصاعد منسوب التوتر في عدد من الساحات. هذه التطورات أعادت طرح طبيعة الصراع بوصفه صراعًا طويل الأمد، تتداخل فيه الأدوات العسكرية والسياسية والإعلامية، وتسعى أمريكا بالتنسيق مع حلفائها، إلى إعادة ترتيب الإقليم بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، عبر توسيع الانتشار العسكري، وتعزيز التحالفات، وفرض مسارات سياسية تُقيّد خيارات القوى الرافضة للهيمنة،  وقد أسهم هذا النهج في تعميق القناعة الشعبية بأن الاستعداد لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة.

الاستفزاز السعودي وتداعيات التدخلات في جنوب اليمن

إلى جانب التهديدات الإقليمية الأوسع، يشكّل العامل السعودي أحد عناصر الضغط المستمرة في المشهد اليمني، سواء عبر سياسات الاستفزاز السياسي والإعلامي، أو من خلال نتائج التدخلات المتراكمة في جنوب اليمن، التي أفرزت واقعًا سياسيًا وأمنيًا معقّدًا، فقد أدّت تلك التدخلات إلى تعدد مراكز النفوذ، وإضعاف مؤسسات الدولة، وخلق حالة من التشظي السياسي والاجتماعي، انعكست سلبًا على حياة المواطنين في الجنوب، حيث تتفاقم الأزمات الخدمية والمعيشية، ويتراجع مستوى الاستقرار. هذا الواقع عزّز من حالة السخط الشعبي، وطرح تساؤلات واسعة حول جدوى تلك السياسات ومآلاتها.
كما يُنظر إلى الاستفزازات السعودية المتواصلة بوصفها عامل توتير إضافي، يُبقي حالة الاستفزاز قائمة، ويجعل التهدئة هشّة، وقابلة للانهيار في أي لحظة، الأمر الذي يدفع المجتمع إلى تعزيز جاهزيته تحسبًا لتداعيات أي تصعيد محتمل.

الجهوزية النفسية والمعنوية .. خط الدفاع الأول

إلى جانب الاستعدادات التنظيمية والمجتمعية، تبرز الجهوزية النفسية والمعنوية كعنصر حاسم في معادلة الصراع. فالخطاب العام يركّز على تعزيز الثقة بالقدرة على الصمود، واستثمار التجارب السابقة بوصفها رصيدًا معنويًا، ومواجهة الحروب النفسية والإعلامية التي تستهدف كسر الإرادة، وفي هذا السياق، تشكّل المعنويات المرتفعة عامل توازن في مواجهة الضغوط، وتسهم في تحصين المجتمع من محاولات الإرباك والتشكيك.

رسائل الجهوزية

تحمل حالة التعبئة والجهوزية رسائل متعددة الاتجاهات،  داخليًا، تعزز مفهوم المسؤولية الجماعية، وتعيد تعريف الأمن بوصفه مهمة مجتمعية شاملة. وخارجيًا، توصل رسالة مفادها أن أي تصعيد محتمل سيواجه مجتمعًا متماسكًا، يمتلك وعيًا بطبيعة الصراع واستعدادًا لتحمّل تبعاته ,هذه الرسائل تضيف بُعدًا سياسيًا ومعنويًا لمعركة الردع، وتعيد رسم صورة المجتمع في حسابات القوى المتدخلة.

دلالات استراتيجية على المدى البعيد
تكشف الجهوزية الشعبية والقبلية الراهنة عن تحوّل استراتيجي في التعاطي مع التحديات، حيث بات المجتمع عنصرًا فاعلًا في معادلة الصراع، لا هامشًا لها كما تعكس تراكم خبرات السنوات الماضية، وقدرة المجتمع على قراءة المتغيرات الإقليمية، وبناء خياراته على أساس الوعي والتماسك.

السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله، قيادة إيمانية شجاعة في مواجهة كل المؤامرات والتحديات

في ظل مرحلة شديدة التعقيد، تتكاثر فيها المؤامرات وتتسارع فيها التحديات، برزت قيادة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله بوصفها قيادة إيمانية واعية، امتلكت شجاعة الموقف ووضوح الرؤية في قراءة طبيعة الصراع، وكشف أبعاده الحقيقية المرتبطة بالمشروع الصهيو–أمريكي الهادف إلى الهيمنة ومصادرة إرادة الشعوب.
لقد تميّزت هذه القيادة بالصدق والوضوح في تسمية العدو، وبالقدرة على تحويل الضغوط والحروب المتعددة الأشكال إلى عوامل وعي وتماسك، ما أسهم في تحصين الجبهة الداخلية، وتعزيز الثقة الشعبية، ورفع مستوى الجهوزية النفسية والمعنوية، باعتبارها خط الدفاع الأول في أي مواجهة.
كما نجح السيد القائد في ترسيخ معادلة متوازنة تجمع بين الثبات في مواجهة الاعتداءات والاستفزازات الخارجية، وفي مقدمتها الاستفزازات السعودية، وبين الحفاظ على وحدة الصف الوطني، والتحذير من مخاطر التفتيت والارتهان للخارج، وهو ما انعكس في اتساع الالتفاف الشعبي والقبلي حول خيار الصمود والاستعداد.
إن ما تشهده الساحة اليوم من تصاعد في التعبئة الشعبية والقبلية، ومن وعي متقدم بطبيعة المرحلة، يمثّل نتاجًا مباشرًا لقيادة إيمانية شجاعة، جعلت من التحديات مدخلًا لتعزيز الثبات، ومن الوعي ركيزة أساسية للمواجهة، وبوصلةً تهدي المجتمع في واحدة من أدق المراحل المفصلية.

ختاما

تؤكد المعطيات أن التعبئة الشعبية والقبلية لم تعد استجابة مؤقتة، بل خيارًا استراتيجيًا يعكس وعيًا متقدمًا بطبيعة الصراع، ويعبّر عن تماسك الجبهة الداخلية وجاهزيتها, وقد أسهمت هذه التعبئة في تعزيز الجهوزية النفسية والمعنوية، وإفشال محاولات الاختراق والتفتيت.
وتبرز أهميتها بوصفها رسالة سياسية واضحة مفادها أن المجتمع حاضر وفاعل، وأن أي تصعيد محتمل سيواجه إرادة صلبة ووعيًا جماعيًا متصلًا بقيادة تدير المعركة بثبات وبصيرة.

You might also like