في مليونيات الاستقلال… اليمن يعلن بدء مرحلة التحرير الثاني ويؤكد حتمية رحيل المحتلين الجدد
يمانيون | تقرير تحليلي
ارتسمت في ساحات اليمن اليوم صورة استثنائية لا تشبه إلا لحظات التحوّل الكبرى في تاريخ الشعوب.
ملايين اليمنيين خرجوا في ذكرى الاستقلال الأول، لكنهم هذه المرة حملوا شعارات معركة التحرير الثاني، ووجّهوا رسائل مباشرة وحاسمة للمحتلين الجدد من السعودية والإمارات، ولرعاتهم من الولايات المتحدة وبريطانيا والكيان الصهيوني.
كانت المسيرات، بحجمها وهتافاتها وتوحدها، أشبه بإعلان شعبي شامل بأن اليمن يدخل مرحلة جديدة من الصراع على السيادة، وأن التحرير لم يعد احتمالاً بل مساراً مفتوحاً تدفعه الإرادة الجمعية وتدعمه التجربة القتالية التي راكمتها سنوات المواجهة.
اليوم لم يحتفل اليمنيون بذكرى تاريخية فحسب؛ بل أعادوا إحياء روح الثورة الأولى، وربطوا الماضي بالحاضر والمستقبل في مشهد يضع اليمن مجدداً في قلب معادلة التحرّر العربي، كجزء من وحدة الساحات وصمود غزة ومحور المقاومة.
المليونيات… استفتاء شعبي جديد على الاستقلال الثاني
المشهد الجماهيري الذي عمّ المحافظات الحرة لم يكن حشداً سنوياً عابراً، بل استفتاءً سياسياً صريحاً على الموقف الشعبي من الوجود السعودي الإماراتي في المحافظات المحتلة.
الحشود كانت بحجم غير مسبوق، وخرجت موحدة من شمال اليمن إلى وسطه وغربه لتؤكد أن قضية التحرير ليست قراراً نخبوياً، بل مطلباً شعبياً شاملاً.
ترفع الجماهير علم اليمن، وتستعيد صور شهداء التحرّر الأول، وتردد شعارات طرد المحتل البريطاني، وكأنها تقول للمحتلين الجدد:
“اليد التي أخرجت بريطانيا قادرة على إخراجكم”.
هذه الرسالة وحدها كافية لإعادة رسم حسابات القوى المتدخلة في اليمن، خاصة بعد أن بات واضحاً أن المشهد الشعبي اليوم أكثر تماسكاً وقوة وإدراكاً لحقيقة الصراع.
من جلاء 1967 إلى التحرير الثاني… خط تاريخي لا ينقطع
ويشكّل الاستقلال الأول، الذي طرد فيه اليمنيون بريطانيا وحلفاءها من عدن، قاعدة الوعي الوطني اليمني.
واليوم، يعاد هذا الوعي إلى الواجهة، ليس بدافع الحنين، بل بدافع إدراك أن تاريخ اليمن التحرّري لم يكتمل، وأن الاحتلال السعودي الإماراتي ليس سوى امتداد للمشروع نفسه بصيغته الحديثة.
تربط الجماهير بين يوم الجلاء ومعركة اليوم من خلال عدة مفاهيم أساسية:
- الاستقلال قدر تاريخي يتجدد.
- التحرير عملية مستمرة جيلاً بعد جيل.
- لا مكان للوصاية الخارجية مهما تغيرت الأسماء والأدوات.
- إرث أكتوبر ونوفمبر ليس مجرد مناسبة وطنية، بل منهج عمل يقود الحاضر والمستقبل.
وبهذا تتحول ذكرى الاستقلال إلى مساحة وعي تتجاوز التاريخ لتتحول إلى منظومة مقاومة تبني عليها الأجيال الجديدة مشروعها التحرّري.
بيان قائد الثورة… خارطة طريق لصراع مفتوح
وكان بيان السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي له أثرٌ عميق في صياغة المزاج الشعبي الذي ظهر اليوم.
البيان ربط بين الاستقلال الأول ومعركة التحرير ضد القوى الاستعمارية المعاصرة، وأوضح أن ما يجري اليوم ليس سوى نسخة محدثة من صراع اليمن التاريخي ضد مشاريع السيطرة الأجنبية.
أكد البيان أن:
- الاستقلال في الوعي اليمني ليس حدثاً، بل حالة مستمرة.
- المعركة اليوم جزء من معركة الأمة ضد الهيمنة الأمريكية والبريطانية والصهيونية.
- الشعب اليمني يمتلك من الإيمان والوعي ما يجعل مشروع التحرير الثاني حتمياً وقابلاً للتحقق.
- وحدة الساحات، ودعم غزة، ومواجهة مشاريع الاحتلال في المنطقة، هي جزء أصيل من عقيدة التحرّر اليمنية.
وبهذا، أصبح البيان بيان استراتيجي يحدد ملامح المرحلة ويعيد تعريف طبيعة الصراع.
المحافظات المحتلة… وعي متزايد ورصيد متنامٍ من الغضب
وتُظهر التقارير الواردة من المحافظات المحتلة أن حالة السخط الشعبي من سياسات السعودية والإمارات بلغت مستويات غير مسبوقة.
نهب الثروات، إدارة السجون السرية، تفكيك النسيج الاجتماعي، خلق تشكيلات مسلحة خارج مؤسسات الدولة، تحويل الجزر والموانئ إلى قواعد أجنبية… كلها عوامل صنعت وعياً جديداً في تلك المحافظات، ودفعت أبناءها نحو إدراك أن المعركة لم تعد سياسية أو خدمية، بل قضية وجود وسيادة.
المسيرات في المحافظات الحرة وجّهت نداءً مباشراً لإخوانهم هناك بالانضمام إلى مشروع الاستقلال، مؤكدة أن اليمنيين مستعدون لدعمهم في أي لحظة، وأن معركة التحرير لن تتجزأ.
القبيلة اليمنية… ذراع التاريخ وعمود الحاضر
وما ميّز مليونيات هذا العام هو الحضور النوعي والكثيف للقبائل اليمنية، التي لطالما شكّلت العمود الفقري لمعارك التحرّر عبر التاريخ.
القبيلة اليوم ليست مجرد مكوّن اجتماعي، بل حاضنة سياسية وعسكرية لمشروع التحرير، ورافعة حقيقية لأي تحول استراتيجي في البلاد.
تقدّم القبائل رسائل واضحة:
- الجهوزية لرفد الجبهات بكل ما يقتضيه الموقف.
- الاستعداد لخوض معركة التحرير الثاني متى ما صدرت الإشارة.
- الانخراط الكامل في مشروع وطني لا يقبل التجزئة.
هذا التلاحم بين القبيلة والشعب والجبهة العسكرية يعيد تشكيل ميزان القوة في اليمن، ويجعل أي وجود أجنبي مشروعاً خاسراً بالضرورة.
قراءة جديدة لمعسكر الاحتلال… تراجع متسارع وفشل استراتيجي
وعلى عكس الرواية التي حاولت السعودية والإمارات تسويقها في السنوات الأولى للعدوان، يعيش الغزاة الجدد اليوم حالة من الارتباك نتيجة:
- الصمود الشعبي الممتد منذ 2015.
- تصاعد القدرة العسكرية للقوات المسلحة اليمنية.
- انهيار مشاريع التجنيد والولاءات.
- اتساع دائرة الرفض الشعبي في المحافظات المحتلة.
- الفشل في فرض واقع سياسي أو أمني مستقر.
وبالتالي، أصبح بقاء القوات الأجنبية مرهوناً بالوقت، وكل يوم يمر يضيف سبباً جديداً لرحيلها.
اليمن في قلب معادلة الأمة… وحدة الساحات وارتباط القدر
وفي هتافات الجماهير اليوم، كانت غزة حاضرة، وكان لبنان حاضراً، وكانت فلسطين هي الوجهة النهائية للمعركة.
اليمنيون يؤكدون عبر مسيراتهم أنهم جزء من معركة الأمة ضد المشروع الصهيوني وأن أي احتلال في المنطقة هو تهديد مشترك.
وهذا ما يفسر:
- الاستمرار في دعم غزة.
- الدفاع عن لبنان.
- مواجهة الهيمنة الأمريكية والصهيونية ضمن محور المقاومة.
- رفض التطبيع والخضوع لأي معادلة خارجية.
هكذا يصبح الاستقلال الثاني جزءاً من مشروع أكبر، يبدأ من اليمن لكنه لا ينتهي عند حدوده.
الاستقلال… من ذكرى إلى مشروع حضاري
وتحوّلت ذكرى 30 نوفمبر من مجرد احتفاء تاريخي إلى منصة وعي حضاري وسياسي، تغذّي مشروعا متكاملاً:
- بناء دولة ذات سيادة.
- استعادة الثروات من يد المحتلين.
- صياغة تجربة يمنية مستقلة في القرار والسياسة والاقتصاد.
- حماية الأرض من مشاريع التفتيت والتقسيم.
- تثبيت الهوية الوطنية في مواجهة محاولات التذويب.
بهذا، يتشكل في الوجدان اليمني وعي جديد يرى الاستقلال ليس حدثاً مضى، بل واجباً يومياً يتجدد في كل موقف، وهتاف، ومسيرة، ومواجهة.
ختاماً
المليونيات التي خرجت في ذكرى الاستقلال لم تكن مجرد فعالية جماهيرية، بل إعلاناً واضحاً أن اليمن يقف على أعتاب مرحلة جديدة.
مرحلة عنوانها:
التحرير الثاني، واستعادة السيادة، ورحيل المحتلين الجدد دون قيد أو شرط.
لقد أثبت اليمنيون اليوم أن الأرض التي كسرت جبروت الإمبراطورية البريطانية قادرة على كسر الوصاية السعودية والإماراتية، وأن الشعب الذي وقف مع غزة والقدس لن يسمح لأي قوة بأن تنتزع قراره أو تمس سيادته.
إنها لحظة تاريخية فارقة…
لحظة تعلن فيها الجماهير أن اليمن ماضٍ نحو التحرير الكامل، وأن قرار الاستقلال الثاني لم يعد شعاراً، بل مساراً واقعياً ترسمه إرادة شعب لا يُهزم.