إنك لغوي مبين .. كيف يصنع الوعي انتصار الموقف الحق
في سياق دروسه الرمضانية المتواصلة، قدّم السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله درسًا مهمًا ضمن استعراضه الدلالي لقصة موسى عليه السلام، مستنطقًا أحداثها لا كوقائع تاريخية جامدة، بل كمنهج قرآني حيّ يكشف سنن الصراع بين الحق والباطل في كل زمان، وتوقف السيد القائد عند محطة دقيقة ومفصلية في مسار موسى عليه السلام، حين توجّه بالنقد لذلك الرجل الذي كان قد انتصر له بالأمس في الآية الكريمة: “إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ”؛ في موقف يجسّد قيمة الموقف الحق، والتمييز بين النصرة الواعية والاندفاع الغوي الذي يضر بقضية الحق أكثر مما يخدمها.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الغواية بين الاندفاع وغياب الحكمة
يشير توصيف موسى عليه السلام لذلك الرجل بـ”الغوي المبين” إلى دلالة عميقة، فالغواية الغواية ليست مجرد خطأ عابر، بل سلوك يتسم بالتهور، وغياب الرشد، والانجرار خلف الانفعال دون تقدير للعواقب، وهنا بيّن السيد القائد أن قضية الحق لا تُخدم بالفوضى، ولا بالانفعالات غير المنضبطة، ولا بردود الأفعال التي تفتقد الحكمة، فالموقف الإيماني الجهادي يحتاج إلى بصيرة، وضبط نفس، ورؤية بعيدة، وإلا تحوّل إلى عبء على مشروعه، وفي هذا الإطار تتجلى عدة أبعاد اهمها ضرورة التوجيه في سياقه الواعي ، وأن النية الحسنة لا تكفي ما لم تُقرن بالحكمة والرشد، وأن الأخطاء الفردية قد تُستثمر ضد المشروع بأكمله إن لم يُتعامل معها بمسؤولية.
حرب الدعاية .. سلاح المستكبرين عبر التاريخ
من أهم ما ركز عليه السيد القائد في سياق الدرس هو أن الحادثة التي حصلت مع موسى عليه السلام لم تُترك في إطارها الطبيعي، بل جرى تضخيمها واستغلالها دعائيًا لتشويه مسار موسى كله، وهنا تتكرر سنة تاريخية ثابتة، أن المستكبرون لا يواجهون الحق بالحجة، بل يشوهونه بالإعلام والدعايات المضللة ، لقد تحولت الواقعة إلى مادة لتحريض الناس ضد موسى، ومحاولة تصويره كمجرم أو مسبب للاضطراب، في حين أن القضية الأصلية كانت مواجهة ظلم واستكبار، وهذا الأسلوب هو من أدوات الطغاة في كل عصر، اقتطاع حادثة من سياقها، وتعميم الاتهام على المشروع بأكمله
وشيطنة حَمَلة الحق وإلصاق صفات الإجرام بهم.
تفاعل المستضعفين مع دعاية العدو .. الإشكالية الأخطر
الجانب الأكثر خطورة ليس فقط دعاية المستكبرين، بل تفاعل بعض المستضعفين معها وانسياقهم خلفها، هذه الإشكالية تتكرر بوضوح في الواقع المعاصر، وخاصة فيما يتعلق بما يجري في، قطاع غزة، حيث جرى توصيف أبناء غزة ومجاهديها بالإرهابيين، رغم أنهم يدافعون عن أرضهم في مواجهة احتلال وعدوان، لقد سعت قوى الاستكبار، وعلى رأسها الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي ، إلى تحويل الضحية إلى متهم، والمقاوم إلى إرهابي، والمعتدي إلى صاحب حق في “الدفاع عن النفس”، لكن الأخطر أن بعض المستضعفين تبنوا رواية العدو، وكرروا مصطلحاته، واندفعوا لتبرير جرائمه، تمامًا كما تبنى بعض قوم موسى رواية السلطة الفرعونية، وهنا تتجلى الدلالات المهمة للدرس، أن الحرب الإعلامية لا تقل خطورة من الحرب العسكرية، وأن الوعي هو خط الدفاع الأول، والانحياز العاطفي للحق لا يكفي إن لم يُقرن ببصيرة معرفية.
الدرس القرآني كمرآة للواقع
ما يقدمه السيد القائد في تناوله لقصة موسى ليس سردًا تاريخيًا، بل قراءة استراتيجية للتحصن ضد الدعاية الخارجية، وعدم الانجرار خلف المصطلحات المفخخة، والثبات على الموقف رغم محاولات التشويه، وكما أن موسى عليه السلام لم يتراجع تحت ضغط الحملة الدعائية، بل واصل مساره، فإن مشاريع التحرر اليوم مطالبة بأن تدرك طبيعة الصراع الشامل، صراع وعي قبل أن يكون صراع سلاح.
ختاما ..
الرسالة الجوهرية في هذا الدرس العميق أن أخطر ما يواجه الأمة ليس فقط عدوان المستكبرين، بل التصرفات غير المنضبطة بغير رشد وغير حكمة والانخداع برواية العدو، وتكرار مصطلحاته، والتخلي عن معايير الحق، وقصة موسى عليه السلام تكشف سننًا لا تتغير،أن المستكبرين يعمدون إلى تشويه الحق وأهله ومن المستضعفين الذين ضلوا عن الطريق يرددون الاشاعات والاراجيف، ولا يصمد الا الواعي المتحصن بالإيمان والحكمة والرشد .