من الوصاية إلى العلن.. كيف كشفت الرياض حقيقة “أدواتها” في اليمن؟

يمانيون | تحليل
منذ عام 2015، شنت السعودية عدوانًا عسكريًا على اليمن تحت مسميات متعددة، زاعمة أنها جاءت لحماية مايسمى بـ”الشرعية” في البلاد ودعم استقرارها، لكنها في الواقع كانت تسعى إلى فرض وصايتها على اليمن وتوجيهه وفقًا لمصالحها الإقليمية.

وبرغم تصريحات الرياض عن دعم اليمن واستقراره، فإن الحقائق على الأرض أثبتت أن هذا العدوان لم يكن سوى محاولة لتمزيق اليمن ونهب ثرواته، بل وتوسيع دائرة نفوذها في المنطقة.

وفيما تُظهر الرياض نفسها في وسائل إعلامها كـ”مخلص” و”مدافع عن الشرعية”، فإن الواقع يُظهر أنها كانت السبب الرئيسي في الدمار والتفكك الذي أصاب اليمن، من خلال دعم أدواتها المحلية التي لا تحمل من “الشرعية” سوى الاسم.

وما كان يُسمى “التحالف العربي” لم يكن إلا تحالفًا مع الميليشيات التي تُنفذ أجندات السعودية، بعيدًا عن مصالح الشعب اليمني، الذي دفع الثمن الأكبر من هذا العدوان.

أما ما يُسمى بـ”الشرعية” فقد تحولت إلى أداة رخيصة بيد الرياض، تنفذ أوامرها وتُعزز الهيمنة السعودية على القرار اليمني.

واليوم، يكشف المشهد عن حقيقة جديدة، حيث تفرض الرياض وصايتها الكاملة على اليمن، لا من خلال التدخل العسكري المباشر فحسب، بل أيضًا من خلال إعادة تشكيل القوات والتشكيلات العسكرية تحت قيادتها، ما يعكس استمرار محاولات الهيمنة على سيادة اليمن وتجاوز إرادة شعبه.

سقوط القناع: أدوات بلا قرار ولا وجه

اليوم، السعودية تقولها صراحةً: نحن من نقودكم، نحن من نمولكم، نحن من نُدير أمركم.

لم تترك الرياض لأدواتها أي هامش للمناورة أو للتجميل السياسي، بعد أن أظهرتهم أمام العالم كـ”مرتزقة” فاقدي القرار والسيادة، لا يملكون من دور سوى أن يكونوا أدوات ناطقة باسمها في فنادق الخارج.

وما يُسمّى “الابتعاد عن إدارة الخلافات بمنطق السلاح”، هو في الواقع إعادة ترتيب لمليشيات متناحرة بما يخدم مصالح الرياض.

لقد ثبت أن الهدف ليس توحيد قوات وطنية، بل إعادة إنتاج وصاية سعودية كاملة على اليمن تحت مسميات لا علاقة لها بالسيادة أو الاستقلال.

مشهد الدولة من جناح فندق

المفارقة الصادمة أن مشهد  مايسمى “الشرعية” بات يُدار بالكامل من أجنحة الفنادق: رئيس يُلقي خطابًا صاغته الرياض، وآخرون يُستدعون على متن طائرات لأداء اليمين في جناح فندق آخر، بينما تُعلن قرارات مصيرية – كحل مجالس سياسية – من قصور ملكية خارج البلاد.

لقد تحوّل الحكم من شخص واحد إلى ثمانية أشخاص، في إعادة إنتاج عبثية للسلطة، لا تهدف إلى بناء دولة، بل إلى تفريغ اليمن من أي مركز قرار وطني، بل ونشر هذه الأدوات على حدود السعودية قبل أي جبهة أخرى، في دلالة واضحة على أولوية الأمن السعودي على حساب الدم اليمني.

مجلس النواب يحذّر من “الخيانات” والتفريط بالسيادة

في هذا السياق، حذر مجلس النواب من التحركات المشبوهة التي يقودها المدعو رشاد العليمي، والذي يترأس ما يُسمى “مجلس القيادة الرئاسي”.

واعتبر المجلس أن العليمي، ومن خلال سعيه للارتهان والتحالف مع قوى العدوان، يحاول بكل وقاحة رهن اليمن تحت وصاية السعودية، وهو ما يُعد خيانة عظمى لأرض اليمن وشعبه.

واعتبر المجلس أن ما يقوم به العليمي تحت مسمى “الشرعية” ليس سوى أدوار خيانية تفضح حقيقة هذه الكيانات التي لا تحمل من الشرعية سوى الاسم.

واعتبر تشكيل “اللجنة العسكرية العليا” بقيادة تحالف العدوان خيانة للدستور وللوحدة اليمنية، وطالب بمحاسبته ومن يعاونه بتهمة الخيانة العظمى.

السقوط لم يكن حديثًا

إن سردية الوطنية والجمهورية والسيادة لم تسقط مؤخرًا، بل سقطت منذ اللحظة التي قبلت فيها هذه الأدوات أن تكون متسولة على أبواب سفير المملكة، ومُلحقة بإملاءات سفير الولايات المتحدة.

هناك بدأ الانحدار الحقيقي لليمن إلى غير مقامه التاريخي، وهناك فُتح الباب واسعًا أمام الوصاية والتفكيك.

ومع ذلك، فإن روح الثورة وعنفوانها لم تُهزم، ولا تزال تسري في عروق شعب الإيمان والحكمة، شعب التاريخ والحضارة، مهما طال زمن العبث.

الدم اليمني وقضية الجنوب: صراع الخارج

وفي خضم التنازع السعودي–الإماراتي، سُفك الدم اليمني، ثم سُفك دم يمني بيد يمني، لتدخل القضية الجنوبية مرحلة جديدة من التعقيد.

وهي قضية لم تنشأ من فراغ، بل زُرعت بذورها منذ ما قبل حرب 1994، حين اختُطفت الوحدة، وجرى العبث بالنسيج الاجتماعي اليمني برمته.

وقد حذّرت قوى سياسية وطنية، منذ العام 2012، من خطورة تجاهل القضية الجنوبية، ودعت إلى إعادة المنهوبات وتصويب الشراكة الوطنية.

لكن تلك التحذيرات قوبلت بالإقصاء، فلم يُخرج الحزب الاشتراكي وحده من المعادلة، بل أُخرج الجنوب بأكمله.

أما ما عُرف لاحقًا بـ”نظام 7-7” أو “قوى الانتصار”، فقد واصل سياسات الإقصاء، في مشهد يكشف تناقضًا فاضحًا: نظام علي عبدالله صالح، ومعه الإصلاح، والسعودية، والإمارات، يرفعون شعار “الحرص على الوحدة”، بينما يعمل كل طرف، بطريقته، على تمزيق الشعب اليمني.

الخارج ليس حلًا… بل أصل المشكلة

وتؤكد التجربة اليمنية، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الخارج لم يكن يومًا حلاً، بل كان أصل المشكلة. كل الصراعات التي شهدها اليمن، وكل الدماء التي سُفكت، كان للخارج يدٌ حاضرة فيها.

ومؤتمرات الرياض، والطائف، وغيرها، لم تُخرج اليمن من أزمته، بل زادت من تعقيدها، وأشعلت مزيدًا من الاحتجاجات والانقسامات.

والحقيقة الثابتة أن السعودية، تاريخيًا، لم تكن مع وحدة يمنية قوية، ولم تكن مع دولة يمنية مستقلة القرار.

بل كانت – ولا تزال – ترى في يمن موحد وقوي خطرًا استراتيجيًا، وتسعى إلى تفتيته وإبقائه في حالة ضعف دائم.

الشرعية الوطنية لا تُستورد

من هذا المنطلق، ترى القوى الوطنية أن أي مكوّن سياسي أو عسكري يتم إنتاجه خارج اليمن لا يمتلك شرعية وطنية، سواء كان شماليًا أو جنوبيًا.

فكما أن المجلس الانتقالي صُنع عبر الإمارات، فإن أي كيان آخر يُنتج في الرياض أو غيرها يظل أداة خارجية، لا مشروعًا وطنيًا.

إن المشهد السياسي الذي أعقب ثورة 21 سبتمبر فتح، في نظر هذه القوى، أفقًا حقيقيًا لمعالجة كل القضايا اليمنية على أساس العدالة والشراكة، وبعيدًا عن التدخل الخارجي الذي لم يجلب سوى الخراب.

خلاصة

ما يجري اليوم في الساحة اليمنية ليس مجرد صراع على السلطة، بل هو صراع سيادة وكرامة.

بينما تسعى أدوات الخارج إلى فرض الوصاية على اليمن عبر وسائل التدخل العسكري والسياسي، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الشعب اليمني وإرادته الثابتة في استعادة سيادته الكاملة.

صنعاء، بحكمة قيادتها ورجاحة موقفها الثوري، تقود اليوم معركة التحرير ليس فقط من الاحتلال العسكري، بل من الهيمنة السياسية التي حاولت أن تزرع أدوات تابعة وأطرافًا متخاذلة تحاول أن تصادر إرادة الشعب.

شعب اليمن، الذي قدم التضحيات العظيمة على مر السنين، لن يقبل بأن تُختطف قراراته الوطنية، ولن يرضى أن يكون رهينًا لأي وصاية كانت، سواء كانت إقليمية أو دولية.

فإن كانت معركة السيادة الوطنية هي المعركة الأبرز اليوم، فإن المشروع الوطني المستقل هو الذي سيُعيد لليمن مكانته بين الأمم.

من صنعاء تنطلق إرادة الأمة ، ومن صنعاء ستعود السيادة والكرامة، ليبقى اليمن رقمًا صعبًا في المعادلة الإقليمية والدولية.

ولن يسمح اليمنيون، تحت أي ظرف، أن يُمسح تاريخهم أو يُهان حاضرهم، بل سيواصلون نضالهم حتى تحقيق النصر التام، حتى التحرير الكامل لكل الأراضي اليمنية، من شمالها إلى جنوبها، من غربها إلى شرقها، ولن يسمحوا للمحتلين والمرتزقة أن ينهبوا وطنهم أو يُعيثوا فيه فسادًا.

You might also like