من حجر الأساس إلى حرب العقيدة… كيف يربط الخطاب الأمريكي بقاء الغرب بوجود الكيان الصهيوني؟
يمانيون | تقرير
من الخفاء المعلوم إلى العلن الصريح يتجلى – وفق ما يطرحه مراقبون وكتّاب – الوجه الحقيقي للسياسات في الولايات المتحدة الأمريكية وتبعيتها لليهود انطلاقاً من معتقدات دينية باطلة في حربها على الإسلام بشكل خاص وعلى البشرية على وجه العموم، بعد عقود من شعارات الديمقراطية والمساواة وما يسمى بحرية الدين والمعتقد وغيرها من الشعارات.وفي جديد هذا التجلي، برزت ظاهرة جديدة تصدرت خطب بعض وسائل الإعلام الأمريكية وأثارت جدلاً واسعاً، تدعو إلى تمجيد اليهود من منطلق عقائدي وتؤكد أن اليهود أساس الحضارة الغربية، وتأتي تزامناً مع تصريحات لمسؤولين أمريكيين تخدم ذات التوجه وتكرّس حضوره في الخطاب العام.
حجر الأساس اليهودي في السردية الغربية
وتوضح هذه الخطابات أنه عندما تذهب إلى أي كنيسة أو مبنى حكومي يكون حجر الأساس في الغالب ظاهراً للعيان، فهو لا يُدفن عادة في زاوية مظلمة تحت الأرض من الأساس لا يراه أحد، بل هو الحجر الذي ينهض البناء من فوقه.
ومن هذا المنطلق يجري القول إن البناء الذي أصبح الفكرة السياسية الغربية وبالتالي العالم الحر قد شُيّد على أساس من اليهودية، وأنه من دون آلاف السنين من الإيمان اليهودي والنظر اليهودي ما كانت المسيحية لتوجد، في محاولة لترسيخ تصور تاريخي يعتبر اليهودية قاعدة انبثقت عنها الحضارة الغربية لاحقاً.
كما يذهب هذا الخطاب إلى أن اليهود هم من كانوا يديرون اللعبة خلف الغرب والحضارة الغربية من وراء الكواليس، وأن حضورهم لم يكن هامشياً بل فاعلاً في مسار تشكّل هذه الحضارة، وهو ما يُستخدم لتفسير طبيعة العلاقة القائمة اليوم بين الغرب والمشروع الصهيوني.
الكيان الصهيوني كتمثيل عقائدي للحضور اليهودي
وفي هذا السياق، يجري تقديم كيان الاحتلال الصهيوني باعتباره كياناً عقائدياً يمثل الحضور اليهودي في فلسطين المحتلة والأراضي المقدسة، وأنه بعد آلاف السنين من الحروب والشتات يمثل “كيان الاحتلال” الحضور الدائم لليهود في الأرض المقدسة وحماية ذلك التاريخ التوراتي.
كما يقر الإعلام الأمريكي – وفق هذا الطرح – بأن الأساس غالباً ما يكون مكوناً غير مرئي وأصغر حجماً من هيكل البناء لكنه مع ذلك عنصر لا غنى عنه إطلاقاً.
وانطلاقاً من ذلك، يجري التأكيد على أن “كيان الاحتلال” ليست مجرد كيان سياسي، بل تمثيل للقوة السياسية والاقتصادية والروحية اليهودية المرتبطة بالمسيحية والمجتمع الغربي والعالم الحر، وأن استهدافها لا يُنظر إليه كصراع سياسي فحسب بل كمواجهة تمس ركائز الحضارة الغربية ذاتها.
تحويل الصراع إلى معادلة وجود حضاري
ويؤكد هذا الخطاب أن الشيوعيين والإسلاميين يدركون ذلك، ولهذا – بحسب ادعائه – يهاجمون اليهودية لا “كيان الاحتلال” وحده ويريدون محوه من الشرق الأوسط.
كما يربط الإعلام الأمريكي زوال الحضارة الغربية بزوال “إسرائيل” التي تمثل القوى الروحية اليهودية المرتبطة بالمسيحية، في محاولة للاستعطاف وتحريض الشارع الغربي، عبر التأكيد أن أي بناء بلا أساس متين سينهار، وأنه إذا جرى كسر اليهودية عبر محو اليهود من الشرق الأوسط – وهو ما يصفه بأنه هدف الفلسطينيين والإسلاميين المتطرفين – فإن المسيحية ستصبح بدورها أكثر هشاشة.
وفي السياق ذاته، يجري التأكيد على أن نشر خطاب معادٍ لـ“كيان الاحتلال” هو خطاب معادٍ لليهود، وأن إضعاف “حق إسرائيل في الوجود” لن يؤدي فقط إلى قتل المزيد من اليهود بل إلى تآكل المبادئ اليهودية المسيحية التي يقوم عليها العالم الغربي، بما يعزز سردية تقوم على تلازم بقاء الحضارة الغربية بوجود اليهود.
تصريحات نتنياهو وترسيخ معادلة البقاء
وقد أكد هذه المتلازمة رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو في خطاب له خلال ما يسمى عيد الحانوكا اليهودي، حين قال إنهم يخوضون اليوم المعركة من أجل بقاء الشعب اليهودي والدين اليهودي ضد عدو أراد إبادتهم ومحْوهم من على وجه الأرض، وإن فشلهم كان سيعني عدم وجود حضارة يهودية مسيحية وعدم وجود الولايات المتحدة، في طرح يعكس محاولة واضحة لربط مصير الغرب بالمشروع الصهيوني.
وفي ضوء ذلك، يرى هذا الطرح أن اليهود يجرّون العالم الغربي والمسيحية الصهيونية إلى حرب عقائدية تحمي في المقام الأول كيان العدو الإسرائيلي واليهود، بعد الانفضاح غير المسبوق لهم في العالم انطلاقاً من عدوانهم على غزة وانكشاف ملفات إبستين الإجرامية وأسباب أخرى لا يدركها بوضوح غيرهم ربما تتعلق بزوال ملكهم وعلوهم المحتوم.
ويُقدَّم هذا التصور باعتباره تفسيراً لتصاعد الخطاب التعبوي ومحاولات إعادة تأطير الصراع ضمن سياق حضاري وديني شامل.
خاتمة
تكشف هذه الخطابات والتصريحات – وفق القراءة التي يتبناها هذا الطرح – عن مرحلة من الوضوح غير المسبوق في التعبير عن الخلفيات العقائدية التي تحكم العلاقة بين الغرب والمشروع الصهيوني، حيث يجري الانتقال من الدعم السياسي التقليدي إلى تأصيل سردية حضارية تربط بقاء الغرب ببقاء “إسرائيل”.
وبينما تسعى هذه السردية إلى تعبئة المجتمعات الغربية وترسيخ معادلة التلازم الوجودي، فإنها في الوقت ذاته تعكس حجم الجدل والتحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، وصراع الروايات حول مستقبل المنطقة ومكانة المشروع الصهيوني في عالم يعاد تشكيل توازناته.