اقترب الوعد الحق .. وسنّة الله تحاصر الطغاة

في زمنٍ تتكاثر فيه مشاهد البطش، وتتعالى فيه أصوات الاستكبار، ويخيّل للبعض أن الطغاة أحكموا قبضتهم على مصائر الشعوب، جاء الدرس الثامن من دروس رمضان للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله ليعيد رسم المشهد من زاوية قرآنية حاسمة، الطغاة يفشلون أمام تدبير الله، والله غالب على أمره،
، في قراءة قرآنية واعية لسنن الله التي لا تتبدل، واستنهاضًا للأمة كي تستعيد ثقتها بوعد الله، وتفهم أن الرعاية الإلهية لا تنفصل عن الموقف الإيماني، ولا تتحقق مع الاستسلام أو الذوبان في مشاريع الطغيان.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

حين يبلغ الألم ذروته ويبدأ اللطف الخفي

توقف السيد القائد عند المشهد القرآني العميق لأم نبي الله موسى عليه السلام، وهي تعيش أقسى لحظات الفقد والاضطراب النفسي تحت بطش فرعون،  ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا إن كادت لتبدي به﴾ ،  لحظة إنسانية تختصر الألم، وتكشف هشاشة البشر أمام ضغط الطغيان، لكن في ذروة الانكسار، يبدأ التدبير الإلهي, ولم يمنع الله المحنة، لكنه تولّى نتائجها، لم يُلغِ الخطر، لكنه صنع منه طريق نجاة،  وهنا يبرز البعد الإيماني الأهم في الدرس أن أعظم رعاية يمنّ الله بها على عباده هي رعاية الإيمان في قلوبهم،  فلو فقد الإنسان كل شيء وبقي له إيمانه، فقد بقي له كل شيء،  أما إذا خسر إيمانه، فقد خسر ذاته ومصيره.

سقوط التدابير البشرية أمام السنن الإلهية

فرعون أحكم خطته، قتلٌ للأبناء، مراقبة، إرهاب، تجنيد للأعوان، ظنّ أنه سيمنع تحقق وعد الله، لكن النتيجة كانت مفارقة تاريخية مذهلة، فقد نشأ موسى في قصره، وأمام ناظريه، والرسالة هنا واضحة، مهما بلغت إمكانات الطغاة، فلن يستطيعوا تعطيل وعد الله للمستضعفين، وحين يتحرك المؤمنون في إطار الثقة بالله والأخذ بأسباب القوة، تتحول موازين القوى، ويصبح الضعف مرحلة انتقال لا قدرًا أبديًا.

المستضعفون .. بين الذوبان والقعود وصناعة التغيير

الدرس لم يكتفِ بإدانة الطغاة، بل وجّه نقدًا واضحًا لحالات داخل صفوف المستضعفين أنفسهم، فئة ذابت في الطاغوت، ووالته برغبة، فكانت أداة في يده، وفئة استسلمت لليأس، وقعدت دون أن تتحرك، فبررت ضعفها، وفئة وعت خطورة الولاء للطغيان، ورفضت الخضوع، وأخذت بأسباب الخلاص، وهنا تحذير بالغ الوضوح،  إن القعود ليس موقفًا محايدًا، بل مسؤولية يُسأل عنها الإنسان، وأن طريق النجاة يبدأ بالوعي، ويتعزز بالموقف، ويكتمل بالحركة العملية.

من قصة موسى إلى واقع الأمة اليوم

ربط الدرس بين السنن القرآنية والواقع الراهن، حيث يتجلى طغيان معاصر في صور الاحتلال والعدوان والاستباحة، ويبلغ الإجرام مستويات صادمة بحق الأطفال والنساء من قبل العدو الصهيوني، غير أن القرآن قد حسم المآل،  ﴿فإذا جاء وعد الآخرة﴾ ، ﴿وإن عدتم عدنا﴾،  إنها وعود إلهية مرتبطة بعزة الله، لا تتخلف ولا تسقط،  لكن التفريط في التمسك بها، والانخراط في مشاريع الخضوع والتطبيع من قبل الأنظمة والحكومات العربية ، يمثل  في ضوء الدرس جحودًا بالسنن الإلهية، ومقدمةً لدوامة من الذل والخزي.

التدبير الإلهي مسؤولية… لا مبرر للانتظار

أحد أبرز الرسائل في الدرس أن الإيمان بوعد الله لا يعني الركون، بل يفرض التزامات عملية، الثقة المطلقة بالله،  ورفض الولاء للطغاة،  وبناء عناصر القوة الإيمانية والعملية، والتحرك وفق هدى الله وتعاليمه، فالتدبير الإلهي يتجلى عبر المؤمنين الصادقين، لا عبر المتفرجين،  ومن رحم الاستضعاف يولد التغيير، إذا توافر الوعي والموقف والصبر.

ختاما 
من حزن أم موسى، إلى غرق فرعون، تتكرر الحقيقة ذاتها، الطغيان قد يعلو، لكنه لا يدوم، والإيمان قد يُبتلى، لكنه لا يُهزم،  يعيد السيد القائد في الدرس الثامن  للأمة بوصلة الفهم، أن الله يرعى عباده، ويحفظ إيمانهم، ويُسقط مشاريع الجبروت حين تبلغ ذروتها، وأن طريق الخلاص ليس في الذوبان ولا في القعود، بل في الثقة العميقة بالله، والتحرك الواعي وفق وعده، إنها رسالة واضحة وصريحة، فالطغاة قد يملكون لحظة القوة، لكن الله يملك نهاية المشهد، وإذا كان التاريخ قد شهد سقوط فرعون، فإن سنن الله ما زالت حية، ووعده حق، وغلبته مؤكدة ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

You might also like