من قلب الخطر.. يد الله تصنع قائد التغيير.. قراءة في تجليات “التدبيرالإلهي في قصة موسى “ع”
لليوم الرمضاني الثامن على التوالي يواصل سماحة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي “حفظه الله” تقديم سلسلة أعذوبة محاضراته لهذا العام 1447هـ ,والتي بدأها بقصة نبي الله موسى عليه السلام للإستفادة منها وأخذ الدروس والعبرة في عصرنا الحديث, وبنظرة قرين القرآن كشف السيد القائد في هذه السسلسلة القصيية الشيقة عن الأبعاد الخفية للتدبير الإلهي في مواجهة الطغيان، متخذاً من قصة نبي الله موسى عليه السلام نموذجاً حياً’ وأوضح كيف أن الله غالبٌ على أمره، يصنع التغيير من حيث لا يحتسب البشر، ويُسقط منظومات الجبروت بتدابير تبدو في ظاهرها بسيطة، مؤكداً أن هذه السنن الإلهية جارية في كل زمان ومكان.
يمانيون| محسن علي
قدمت المحاضرات الثمان وإلى اليوم قراءة تحليلية معمقة لقصة نبي الله موسى عليه السلام، وركزت على مفهوم “حركة التدبير الإلهي لتغيير واقع البشر”,يمكن تلخيص أبرز الأفكار والرؤى التحليلية في النقاط التالية:
مركزية التدبير الإلهي في مواجهة الطغيان
تُبرز المحاضرة فكرة جوهرية مفادها أن الله سبحانه وتعالى هو الفاعل الحقيقي والمؤثر في الأحداث، وأن إرادته غالبة, ويتجلى ذلك بوضوح في قصة التقاط آل فرعون لموسى، فبينما كانوا يذبحون الأطفال خوفاً من قائد مستقبلي، شاءت إرادة الله أن يتربى هذا القائد في عقر دارهم, هذا المشهد هو مصداق لقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾، وهي حقيقة تتجاوز زمن القصة لتمثل أحد السنن الإلهية الثابتة التي لا تتبدل.
صناعة القادة.. رعاية إلهية تتخطى الأسباب المادية
توضح المحاضرات أن صناعة الأنبياء والقادة الربانيين لا تخضع للمنطق المادي وحده، بل تحيط بها رعاية إلهية خاصة منذ الولادة, فالله الذي أوحى لأم موسى أن تلقيه في اليم، هو نفسه الذي ألقى عليه محبة منه ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾، فكانت هذه المحبة هي الدرع الذي حماه من بطش فرعون وجنوده, وهذا التدخل الإلهي المباشر في “المشاعر والقلوب” هو أحد أهم أشكال التدبير الإلهي الذي يغير مسار الأحداث.
دور المرأة المحوري والمقدس في مشروع التغيير
تسلط المحاضرة الضوء بشكل لافت على الدور العظيم والمقدس للمرأة في المشروع الإلهي، من خلال نموذجين بارزين:
أم موسى: التي قامت بدور إيماني وبطولي عظيم، يتطلب ثقة مطلقة بالله وإيمان راسح لتنفيذ أمر إلهي يبدو مخالفاً للمنطق والعاطفة فقامت بتنفيذه بخطة محكمة .
امرأة فرعون: التي تحولت من مجرد زوجة حاكم إلى عنصر حماية فاعل في قلب الخطر، فكانت شفاعتها سبباً مباشراً في نجاة موسى, هذا التأكيد يمنح المرأة مكانة رفيعة كشريك أساسي في إنجاح الرسالات الإلهية ومشاريع التغيير الكبرى.
حتمية سقوط الظالمين
تقدم المحاضرات تفسيراً عميقاً لسبب خذلان االله لبعض عباده وإن كانوا طواغيت وجبابرة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ وهنا توضح أن “الخطيئة” هنا ليست مجرد ذنب فردي، بل هي منظومة متكاملة من الطغيان والظلم والإفساد في الأرض من قبل السلطات الحاكمة أنذاك, وعندما تصل أي قوة أو كيان أو دولة إلى هذا المستوى من الإجرام، وتوظف إمكاناتها لنشر الفساد، فإنها تتجاوز حداً معيناً يستوجب التدخل الإلهي لإسقاطها، وهذا يمثل “عبرة” لكل كيان يسلك نفس المسلك في عصر ومرحلة وزمن.
التدبير الإلهي يعمل من خلال الأسباب
يؤكد السيد القائد أن التدبير الإلهي لا يأتي دائماً على شكل معجزات خارقة للطبيعة، بل يتحرك غالباً “في إطار الأسباب وعلى أيدي عباد الله”, فنجاة موسى لم تكن عبر اختفائه المفاجئ، بل عبر سلسلة من الأحداث التي شارك فيها البشر (أمه، امرأة فرعون، أخته, وحتى آل فرعون أنفسهم دون أن يشعروا), هذا الفهم يعزز من مسؤولية الإنسان في التحرك والثقة بأن الله سيهيئ الأسباب لإنجاح الحق وإحقاقه ولو كره الكافرون.