شهيد القرآن والعرفان .. مشروعٌ إحيائيٌّ متكامل

يمانيون / كتابات /  بقلم : المفكر الجزائري ، د. نور الدين أبو لحية

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين.
في إطار حديثي عن شهيد القرآن، السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، لا يأتي كلامي محاضرةً أكاديميةً محضّة، بل هو شهادةٌ نابعةٌ من مطالعة ملازمه والتأثر بها. وأول ما يطالع القارئ في تراث هذا الشهيد، وأهم ما يلمسه، هو ذلك الحضور الإلهي الدائم، ومع كل شيء؛ فأنت تشعر بالله، بأسمائه الحسنى، بوجوده ورقابته، من خلال السطور. إنه ذوقٌ روحيٌّ عرفانيٌّ قلما تجده بهذه الكثافة والصدق في العديد من الطرق أو الحركات الإسلامية الأخرى.

 

ولكنّ العظمة هنا تكمن في أن هذا العرفان لم يبقَ حبيس الخلوات، بل امتد ليشمل كل مناحي الحياة. فالإيمان عنده ليس شعارًا يرفع، بل قوة محركة وفاعلة. وهو ينتقد بشدة من يجعل “الله أكبر” مجرد لقلقة لسان، بينما قلبه يرهب غيره. وينتقد كذلك قراءة القرآن بلا استشعارٍ لحضور المتكلم سبحانه، أو التنفيذ لأوامره، أو الثقة بوعوده.

من هنا، تأتي أولى قيم مشروعه الإحيائي: بناء الإيمان الحقيقي الفاعل، ذلك الإيمان الذي يميز بين “الإسلام” الظاهري و”الإيمان” القلبي المؤثر، كما في قوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا).
ولأن المنبع هو القرآن، فإن السيد الشهيد يؤسس كل شيء عليه، معتبرًا أن القرآن يقدم معرفةً حيةً ممزوجةً بالحضور الإلهي، على عكس ما قد تقدمه مناهج المتكلمين المجردة. وهو ينتقل بنفس المنهج إلى مجالي العقيدة والوعظ، فينتقد استبدال العقائد القرآنية بعقائد المتكلمين، واستبدال المواعظ القرآنية –المتوازنة التي تربط الوعد بالعمل– بمواعظ بعض الوعّاظ التي تبالغ في التبشير دون ربطه بالجهد والالتزام.

وهذا المنهج القرآني الشمولي يقوده إلى مفهوم مركزي في فكره، وهو الحاكمية الإلهية، كردّ على العلمانيين وأصحاب المشاريع الوضعية. وهو يربط هذا المبدأ بالإيمان والعرفان من جهة، وبالتقوى من جهة أخرى، ولكن بتصور عميق للتقوى لا ينحصر في العبادات الفردية، بل يتسرب إلى الوجدان فيجعل المتقي يخاف من الحجاب بينه وبين ربه، ويوسع مفهوم النفاق ليشمل موالاة الظالمين والمعتدين في عصرنا.

فالتقوى عنده تشمل السياسة والاقتصاد ومواجهة الواقع، وليست هروبًا منه.
ومن هذا التكامل بين العرفان الإيماني والجهاد العملي، ولد مشروعٌ إنقاذيٌّ متكامل للإنسان والمجتمع. والواقع يشهد بنجاحه: فها هم تلامذته وأبناء مسيرته القرآنية يناصرون المستضعفين في غزة وغيرها، ويواجهون المستكبرين بكل قوة، ويحققون إنجازات تقنية وعسكرية مذهلة تحت الحصار، كما نرى في صناعة الصواريخ والمسيرات. وها هي الوقفات الشعبية المليونية تتواصل أسبوعيًا رغم القصف والظروف القاسية، دليلًا على نجاح هذا الربط القرآني الفريد الذي جعلهم مستعدين للتضحية حقًا، باعتبارها سبيلًا للنجاة من النار والفوز برضا الله، بعيدًا عن دعاوى الشفاعة المضمونة والفرقة الناجية بالانتساب فقط.

لقد استهدف الأعداء شهيد القرآن لأنه لم يقدم معارف نظرية فحسب، بل قدّم معرفة حية مؤثرة، تغذي الروح وتنظم المجتمع وتواجه التحديات. كانت ملازمه، بحق، مشروعًا شاملًا للحياة، يمنح روحانية عميقة لأنه صدر عن صدق وإخلاص، ولهذا كان تأثيره عظيمًا، واستهدافه مُبرَّرًا في حسّ أعداء المشاريع الحية الأصيلة.
وختامًا، هذا غيض من فيض، والحديث عن هذا المشروع القرآني المتكامل يطول، ونسأل الله أن يتقبل شهيدنا، وأن يثبتنا على دربه.

You might also like