من وحي قصة موسى عليه السلام.. الإحسان ثورة على الظلم ودرس للأمة الغائبة
بينما تتعالى صرخات المستضعفين والمظلومين من أمة نبينا محمد عليه وآله أفضل الصلاة وأتم التسليم في قلب العالم العربي والإسلامي بعصرنا الراهن وتتفاقم فيه مظالم الطغاة والمستكبرين ولا من مغيث..!، تأتي المحاضرة الرمضانية الحادية عشرة للسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي كبوصلة قرآنية تعيد توجيه الأنظار نحو جوهر الرسالات السماوية بأن الإحسان ليست مجرد فضيلة فردية، بل هي منهج عمل ثوري، ومسار متكامل يبدأ من تزكية النفس لينتهي بمشروع إلهي عظيم يهدف إلى إنقاذ الأمم، ومن خلال استعراض قصة النبي موسى عليه السلام، تكشف المحاضرة عن ديناميكية الإحسان كقوة دافعة لمواجهة الظلم، وتضع الأمة الإسلامية أمام مرآة تاريخية تعكس واقعها المأزوم، وتطرح سؤالاً جوهرياً: أين نحن من إحسان موسى ونصرته للمستضعفين؟
يمانيون/ محسن علي
في محاضرته الرمضانية الحادية عشرة، قدّم السيد القاىد عبد الملك الحوثي قراءة عميقة لمفهوم “الإحسان” من خلال منظور قصة النبي موسى عليه السلام في سورة القصص، محولاً المفهوم من مجرد صفة أخلاقية فردية إلى مشروع نهضوي متكامل للأمة، بل وقدمه كعملية تشريح دقيقة لمسار الإحسان التصاعدي وكيفية تحوله إلى قوة تغيير حقيقية في مواجهة الظلم والاستكبار.
الإحسان مسار متكامل
ركزت المحاضرة على أن الإحسان الذي تحلى به نبي الله موسى لم يكن مجرد أعمال خيرية متفرقة، بل كان مساراً متصاعداً بدأ باهتمامات فردية وشخصية، وتطور ليصل إلى مشروع إلهي عظيم، مشدد على أن هذا المسار يبدأ من تزكية النفس ونمو مشاعر الخير وإرادة الخير للآخرين، وينتقل تدريجياً إلى الاهتمام الواسع بحال المستضعفين، ليقدم كعملية نضج إيماني وسياسي، وليس مجرد ردود أفعال عاطفية.
حادثة القتل.. نقطة تحول وانفجار للوضع
شكلت حادثة قتل القبطي، التي جاءت نتيجة استغاثة رجل من شيعة موسى، نقطة محورية في المحاضرة، لم يتم تصوير الحادثة كخطأ فردي معزول، بل “كانفجار للوضع” ومرحلة جديدة في الصراع بين موسى والمستكبرين، حيث وصف السيد الضربة القاضية بأنها كانت تعبيراً عن تراكم الغضب والألم من الظلم المستمر الذي يمارسه الفراعنة معتبراً إياه نتيجة حتمية لتفاقم القهر.
فلسطين والأمة الغائبة
كان الإسقاط على الواقع المعاصر، وتحديداً القضية الفلسطينية، هو الجزء الأكثر قوة وتأثيراً في المحاضرة، وهنا استخدم السيد قصة استغاثة الإسرائيلي بموسى ليقارنها بصرخات الشعب الفلسطيني التي لا تجد من يستجيب لها في الأمة الإسلامية، كما وصف تخاذل الأمة بأنه “ذنب عظيم” و”إشكالية خطيرة”، معتبراً إياه سبباً مباشراً في تشجيع العدو الإسرائيلي على التمادي في جرائمه، هذا الربط المباشر يحول الدرس التاريخي إلى نقد لاذع للحاضر، ويدعو إلى تحمل المسؤولية.
البعد التربوي والمنهجي
لم تقتصر المحاضرة على التحليل السياسي، بل حملت بعداً تربوياً عميقاً، فمبادرة موسى الفورية لنجدة المستغيث تم تقديمها كـ “درس عظيم لكل مسلم” والرسالة واضحة وهي: أن التربية الإيمانية الحقيقية، المستمدة من القرآن وسيرة الأنبياء، قائمة على حقيقة أساسية هي العمل على إنقاذ المستضعفين ومقارعة الظلم، وبهذا، يعيد السيد القائد تعريف الإيمان ليكون مرادفاً للعمل والمسؤولية الاجتماعية والسياسية.
خلاصة
نجحت المحاضرة الحادية عشرة في تقديم رؤية نوعية لمفهوم الإحسان، ونقله من حيز الفضائل الشخصية إلى كونه استراتيجية عمل متكاملة لمواجهة الظلم، وذلك عبر استدعاء قصة النبي موسى، وفي هذا السياق لم يقدم السيد عبدالملك درساً في التاريخ، بل قدم مرآة للأمة لترى فيها تقصيرها، ومنهجاً عملياً للخروج من حالة التخاذل، مؤكداً أن الطريق إلى نصرة الحق يبدأ من إحسان حقيقي، يتطور من تعاطف فردي إلى مشروع أمة قادر على تغيير الواقع.