من دعمها التاريخي لفلسطين .. كيف تحولت الهند إلى أحد أبرز شركاء الاحتلال الصهيوني عالميًا ؟

يمانيون | تقرير
تشهد العلاقات بين الهند وكيان الاحتلال مرحلة متقدمة من التقارب السياسي والعسكري، في تطور يعكس تحولات عميقة في تموضع الهند الدولي وطبيعة تحالفاتها، وهو ما برز بوضوح مع الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الهندي إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، التي أثارت موجة انتقادات في مقدمتها موقف اليمن المعبر عنه عبر بيان وزارة الخارجية في صنعاء.

وتأتي هذه الزيارة، التي تعد الثانية من نوعها بعد زيارة عام 2017، ضمن سياق تصاعد العلاقات الثنائية التي انتقلت من مستوى التنسيق المحدود إلى شراكة متعددة الأبعاد، تشمل المجالات العسكرية والأمنية والتكنولوجية والاقتصادية، بما يعزز موقع الهند كأحد أبرز مستوردي الأسلحة من الكيان الصهيوني، ويسهم في ترسيخ حضوره ضمن كبار مصدري السلاح عالميًا.

تقارب استراتيجي وتحولات في السياسة الهندية

وتؤكد المعطيات المرتبطة بالزيارة أن نيودلهي باتت تنظر إلى العلاقة مع الاحتلال باعتبارها خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد، مدفوعًا بجملة اعتبارات، في مقدمتها الرغبة في تعزيز القدرات العسكرية والتكنولوجية، إضافة إلى التقارب السياسي مع الولايات المتحدة، الذي يشكل أحد محددات إعادة التموضع الهندي في النظام الدولي.

ويرى مراقبون أن التعاون العسكري والأمني يمثل العمود الفقري لهذه العلاقة، حيث يشمل مجالات الاستخبارات والطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع والتقنيات السيبرانية، إلى جانب تعاون في مجالات الزراعة والمياه والابتكار، وهو ما يصفه مسؤولون صهاينة بمرحلة الشراكات النوعية التي تمهد لتوسيع التعاون الدبلوماسي والمالي بين الطرفين.

كما تعكس الزيارة انسجامًا شخصيًا وسياسيًا بين مودي ونتنياهو، أسهم في تسريع وتيرة التقارب، وتحويل العلاقات من مستوى التواصل خلف الكواليس إلى مستوى التحالف المعلن، في ظل بيئة إقليمية ودولية تشهد تغيرات متسارعة.

أبعاد أيديولوجية ومحور مناهض للمنطقة

ولا يقتصر التقارب الهندي ـ الصهيوني على المصالح الاستراتيجية، بل يمتد إلى تقاطعات أيديولوجية بين القومية الهندوسية والصهيونية، حيث تستند كلتاهما إلى مرتكزات قومية إثنية وسياسات إقصائية تجاه الآخر، ما خلق حالة من الإلهام المتبادل بين التيارات المتشددة في الجانبين.

ويشير محللون إلى أن هذه التقاطعات تتجلى في ممارسات تستهدف طمس الهويات وإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والجغرافي، سواء في فلسطين أو في مناطق مثل كشمير، إضافة إلى خطاب سياسي يضع الإسلام في دائرة التهديد، وهو ما يعزز قراءة الزيارة ضمن إطار محور أيديولوجي يتبلور تدريجيًا ويتخذ طابعًا مناهضًا لشعوب المنطقة.

وفي هذا السياق، تبرز تصريحات نتنياهو الأخيرة حول التحولات في السياسة الهندية بوصفها إقرارًا بترسخ العلاقة كأحد ثوابت التوجهات الخارجية لنيودلهي، بعد أن كانت محكومة سابقًا باعتبارات التوازن مع العالم العربي ودعم القضية الفلسطينية.

تراجع الاعتبارات التقليدية وتبدل الحسابات

تعكس التطورات الراهنة تحولًا في حسابات الهند الاستراتيجية، إذ لم تعد المخاوف المرتبطة بتأثر علاقاتها الاقتصادية مع الدول العربية أو مصالحها في مجالي الطاقة والعمالة تشكل عامل ردع حقيقي أمام توسيع التعاون مع الاحتلال، خصوصًا في ظل مشهد إقليمي اتسم بتسارع مسارات التطبيع، ما وفر غطاءً سياسيًا للهند للتحرك العلني وتعميق شراكتها مع تل أبيب.

كما يظهر أن نيودلهي باتت تراهن على مكاسب الشراكة مع الاحتلال في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والتصنيع العسكري والابتكار، ضمن مساعيها لتعزيز مكانتها كقوة دولية صاعدة، حتى وإن جاء ذلك على حساب مواقفها التاريخية الداعمة للقضية الفلسطينية.

صنعاء تنتقد الزيارة وتؤكد على ثبات الدعم لفلسطين

في المقابل، عبرت وزارة الخارجية والمغتربين في صنعاء عن انتقادها الشديد للزيارة، معتبرة أنها تمثل تراجعًا عن الموقف الهندي التاريخي المؤيد للشعب الفلسطيني، وانحيازًا إلى جانب الجلاد ضد الضحية، في ظل الجرائم والانتهاكات المستمرة بحق المدنيين في غزة وما خلفته من عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى.

وأشار البيان إلى أن التقارب الهندي مع الكيان الصهيوني يأتي في وقت تتزايد فيه حالة الرفض الدولي لجرائمه، معتبرًا أن استمرار الدعم السياسي والعسكري له يسهم في إطالة أمد العدوان وتقويض فرص تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني.

كما لفت إلى الخطوات الأمريكية الأخيرة الداعمة للاحتلال، ومنها تقديم خدمات قنصلية داخل مستوطنة في الضفة الغربية، بوصفها مؤشرًا على شراكة متكاملة في مساعي تصفية القضية الفلسطينية، مجددًا التأكيد على موقف الجمهورية اليمنية الثابت في دعم نضال الشعب الفلسطيني حتى استعادة كامل حقوقه وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

خاتمة

تكشف زيارة مودي للأراضي الفلسطينية المحتلة عن تعمق التحالف الهندوسي ـ الصهيوني بوصفه أحد ملامح التحولات الجارية في بنية التحالفات الدولية، حيث تتقاطع المصالح العسكرية والتكنولوجية مع الروابط الأيديولوجية لتشكّل إطارًا لشراكة آخذة في التوسع.

وفي الوقت الذي تمضي فيه نيودلهي نحو ترسيخ هذا المسار، تؤكد صنعاء ثبات موقفها المبدئي في مواجهة سياسات الاحتلال وكل أشكال دعمه، معتبرة أن تصاعد هذه التحالفات لن يغير من حقيقة الصراع ولا من عدالة القضية الفلسطينية، بل سيزيد من انكشاف منظومة الاصطفاف الدولي الداعمة للعدوان ويعزز في المقابل مسار المواجهة والرفض في المنطقة.

You might also like