ماهي الحقيقة التي قدمها الشهيد القائد في العام 2002م والتي يجب أن نعرفها؟
في زمن تتشابك فيه المعرفة الإيمانية مع التفسيرات الفكرية المتعددة، يقدم الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه رؤية متفردة تعيد تحديد العلاقة بين الإنسان وربه، فرؤية الشهيد القائد القرآنية لا تقتصر على النظرية أو الشعائر الشكلية، بل تمتد لتجمع بين معرفة الله حق المعرفة، والثقة المطلقة به، للوصول إلى نتيجة هامة تتمثل في معرفة من هم أوليائه الحقيقيين، حيث رسم الشهيد القائد خارطة روحية وفكرية دقيقة، ترتكز على أن من يعرف الله حق المعرفة، سيعرف من هم أولياءه، ولن ينحرف عن طريق الهداية، في درس له دلالات إيمانية عميقة تكشف كيف تتحول المعرفة بالله إلى قوة روحية وثقة عملية تمكّن الإنسان من السير على درب الحق.
ثقة مطلقة مستندة إلى المعرفة
يشدد الشهيد القائد على أن أولياء الله هم من يتميزون بعظيم الثقة بالله، لكن هذه الثقة ليست عاطفية أو سطحية، بل هي ثمرة معرفة واسعة بالله، هذه المعرفة، تتجاوز حدود الكتب أو علوم الكلام، لتكون معرفة عملية وعميقة، تعتمد على التأمل في القرآن الكريم، معرفة كمال الله وقدرته، فهم الإنسان لعظمة الخالق وما أسبغه من نعم، ومظاهر حكمته، ورحمته، وبطشه.
معرفة ما أعده لأولياءه وما أعده لأعداءه، وإدراك الإنسان لمكافأة الصالحين وعقاب الظالمين، وفهم الرعاية الإلهية المستمرة لأولئك الذين يسلكون طريق الحق، إدراك أن الله غالب على أمره، أي اليقين بأن كل شيء في الكون خاضع لإرادة الله، مما يعزز الطمأنينة واليقين لدى الإنسان المؤمن، وبالانطلاق من هذه الدلالة تصبح الثقة بالله علاقة متبادلة بين معرفة معمّقة وبين اعتماد كامل على الله في شؤون الحياة، وهو ما يشكل جوهر مفهوم أولياء الله.
من يعرف الله تعالى حق المعرفة سيعرف من هم أولياءه
يشير الشهيد القائد إلى أن معرفة الله تعالى معرفةً حقيقيةً وواسعةً هي الشرط الأساسي لفهم من هم أولياء الله، فالأولوية ليست فقط في معرفة أسماءهم أو صفاتهم الظاهرة، بل في استيعاب طبيعة العلاقة بين العبد وربه، فالإنسان كلما تعمق في معرفة الله، في كماله، وقدرته، وحكمته، ورحمته، وعدله، وغلبته على كل الأمور، كلما تمكن من التمييز بين أوليائه الحقيقيين ومن هم بعيدون عن هذا السبيل، وهنا تكمن دلالة هامة تتمثل في صلة المعرفة بمفهوم ولاية الله، فأولياء الله هم الذين استوعبوا عظمة الله وعملوا بمقتضاها، فكانت حياتهم مرآة لطاعته، وثقتهم بالله صافية وعميقة، ومن لم يعرف الله حق المعرفة لن يستطيع التمييز بين من يسير في طريق الحق وبين من يضلله الهوى أو الجهل، ومعرفة الله تعطي الإنسان القدرة على التفريق بين من يتولى الله سبحانه وتعالى، ومن يسعى وراء مصالح دنيوية أو طموحات شخصية، وبذلك، تصبح ولاية أولياء الله نتيجة طبيعية لمعرفة الله، وليست مجرد صفة أو لقب يُمنح لمن يظهر تقوى ظاهرية فقط، كما أن أولياء الله لديهم ثقة مطلقة بالله، وهذه الثقة ليست مجرد شعور، بل نابعة من معرفة دقيقة بجلال الله وقدرته على الرعاية والهداية، ومن عرف الله حق المعرفة، يعرف أن الله لا يترك أولياءه ضائعين، بل يرعاهم ويهديهم، ويجعلهم سباقين للطاعة والخير.
كما يؤكد الشهيد القائد أن معرفة الله تتجلى في القرآن الكريم في مظاهر قدرته وحكمته ورحمته، وهذا ما يساعد المؤمن على تمييز أولياء الله الحقيقيين الذين تحققت فيهم هذه القيم عمليًا، وليس فقط نظريًا،
محور العلاقة بين الإنسان وبين الله سبحانه وتعالى
يشير الشهيد القائد إلى أن معرفة الله الحقة هي معرفة ألوهيته، وهذا يتطلب إدراك معنى شهادة “لا إله إلا الله” على نحو كامل، بحيث تصبح العلاقة بين الإنسان وربه قائمة على أساس، الطاعة المطلقة لله وحده، لأن الله هو الحق الذي له الحكم على الإنسان، وكذلك استبعاد أي شريك لله في الحكم أو التدبير، سواء كان هذا الشريك عبارة عن هوا، أو رغبة شخصية، أو سلطة بشرية، أو أي قوة في هذا العالم، وبهذا، فإن تحقيق معنى التوحيد لا يقتصر على القول، بل يشمل التطبيق العملي في إدارة النفس والمجتمع، حيث يصبح الإنسان مقياسًا حقيقيًا لطاعة الله.
الفرق بين المعرفة النظرية والتجربة العملية
يبرز الشهيد القائد قيمة التجربة العملية في فهم الله مقارنة بالعلم النظري البحت، محذراً من الاكتفاء بما يُقرأ في الكتب، مهما كثرت، دون أن يتحقق الإنسان من رعاية الله له، ومن قدرته على الهداية والرشاد، فالقراءة وحدها قد تعطي العلم، لكنها لا تضمن الفهم العميق ولا توفر التفاعل الروحي مع الله.
المكاسب الروحية من معرفة الله
يتضح من رؤية الشهيد القائد أن الفائدة الكبرى للإنسان تكمن في ترسيخ اليقين بالله، مما يمنح الإنسان الثقة المطلقة والطمأنينة، وإدراك قيمة العبادة والطاعة، وتحويلها من مجرد شعائر شكلية إلى معايشة روحية حقيقية، وكذلك فهم موقع الإنسان في الكون، وعلاقته بالآخرين، من حيث العدالة والرحمة والمكافأة الإلهية.
الرؤية الفلسفية والتطبيقية
تجمع رؤية الشهيد القائد بين البعد الفلسفي والبعد العملي، لأنها تعمّق فهم الإنسان لطبيعة الله وعلاقته بالكون، ولأنها ترشد الإنسان لكيفية تطبيق هذا الفهم في حياته اليومية من خلال الطاعة، وإبعاد النفس عن كل ما ينافي إرادة الله، ومن خلال هذا الدرس، يتضح أن معرفة الله والتوكل عليه ليست هدفًا منفصلًا عن حياة الإنسان، بل هي منهجية لتزكية النفس وتحقيق السلوك الصالح، ما يجعل العلاقة بين المعرفة والعمل متكاملة ومتسقة.
ختاماً
رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي تضع معيارًا متكاملًا لفهم الإيمان ومن هم أولياء الله، من خلال المعرفة الواسعة بالله، وتشمل رحمته وقدرته وغلبته وحكمته، وتحقيق الثقة المطلقة بالله، التي تنبع من هذه المعرفة، ومعرفة أولياء الله تتحدد من خلال معرفة الله حق المعرفة، وتطبيق الإيمان عمليًا في حياة الإنسان وفصله عن كل ما سوى الله، كذلك التأكيد على التجربة الروحية بجانب المعرفة النظرية، لتصبح العبادة والطاعة منهج حياة وليس شعائر شكلية.
بهذا، يقدم الشهيد القائد نموذجًا فريدًا للارتقاء الروحي والفكري، حيث تصبح العلاقة مع الله مصدر قوة وثقة للإنسان، وتوجيهًا شاملًا لحياته الفردية والاجتماعية.