العدل القرآني أو الفوضى .. لا طريق ثالث
تمثل قضية إقامة القسط والعدل محورًا مركزيًا في المشروع القرآني الذي قدّمه الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، بوصفها غاية إلهية كبرى وركيزة أساسية لنهضة الأمة واستعادة دورها الإيماني والإنساني، فالقسط، في رؤيته القرآنية ، ليس مجرد قيمة أخلاقية أو شعار يُرفع في الخطب، بل منهج حياة ومسؤولية عملية تبدأ من الفرد وتمتد لتشمل الأمة والمجتمع والدولة.
يمانيون / أعده للنشر / طارق الحمامي
القسط مسؤولية فردية لا تسقط
ينطلق الشهيد القائد من التأكيد على أن إقامة القسط تبدأ من دائرة الفرد، حيث يمتلك الإنسان مساحات واسعة من المسؤولية التي لا يجوز له التذرع بالعجز عن أدائها، فالشهادة بالحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصيحة، والوقوف مع المظلوم، كلها قضايا في متناول الإنسان وتمثل الحد الأدنى من الالتزام العملي بالعدل، ويرى رضوان الله عليه أن هذه المسؤوليات الفردية تشكّل ترجمة حقيقية للإيمان، وتجسيدًا للشهادة لله سبحانه وتعالى بأنه قائم بالقسط، وأن أي تهاون في هذا الجانب يُفرغ الإيمان من مضمونه العملي، ويحوّله إلى حالة شكلية لا أثر لها في الواقع.
القسط من الفرد إلى الأمة
غير أن الشهيد القائد يؤكد أن إقامة القسط بصورته الكاملة والشاملة لا يمكن أن تتحقق من خلال جهود فردية متفرقة، مهما كانت صادقة، بل تحتاج إلى إطار أممي منظم، كما أمر الله سبحانه وتعالى في قوله:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، وفي هذا السياق، يوضح الشهيد القائد أن القرآن الكريم لا يكتفي بالدعوة إلى القسط، بل يقدّم المنهج الذي تُبنى على أساسه الأمة القادرة على حمل هذه المسؤولية؛ أمة تلتزم بهدي الله، وتبني وعيها وثقافتها ومؤسساتها على أساس قرآني واضح، يضمن العدل ويحفظ الحقوق،
((يا أيها الذين آمنوا آمنوا)) .. أساس القسط
ومن أبرز المرتكزات الفكرية في رؤية الشهيد القائد لقضية القسط، وقوفه المتأمل عند قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}، حيث يبيّن رضوان الله عليه أن هذا الخطاب القرآني يكشف خللًا في مفهوم الإيمان لدى كثير من الناس؛ فليس المطلوب مجرد الانتساب للدين، بل إيمان جاد، واعٍ، متحرك، يبدأ من ترسيخ الثقة بالله سبحانه وتعالى، وينعكس في التعامل مع قضايا الدين باعتبارها قضايا مصيرية لا تقبل الإهمال أو اللامبالاة، فالإيمان الذي لا يتحول إلى موقف عملي في نصرة الحق، وإقامة العدل، ومواجهة الظلم، يظل إيمانًا ضعيف الأثر، عاجزًا عن تغيير الواقع أو حماية المجتمع.
القسط .. جاذبية للدين ومنهج حياة
ويؤكد الشهيد القائد أن إقامة القسط ليست مجرد واجب داخلي، بل لها أثر بالغ في جذب الناس إلى الدين، إذ إن العدل حين يتجسد واقعًا عمليًا يصبح أبلغ شهادة على عظمة هذا الدين وعدالة تشريعه، وبهذا المعنى، فإن القسط يمثل رسالة حضارية وإنسانية، وليس مجرد إطار تشريعي.
شواهد واقعية على أثر إقامة القسط والعدل
من أبرز ما يميز رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه أنها رؤية مرتبطة بالواقع، تظهر آثارها ونتائجها بوضوح في حياة الناس، سواء من خلال تطبيقها في الواقع، ويمكن ملاحظة ذلك عبر مقارنة موضوعية بين واقع المحافظات الحرة الواقعة تحت سلطة المسيرة القرآنية المباركة، وواقع المحافظات الجنوبية المحتلة.
في المحافظات الحرة، حيث يُدار المجتمع على أساس المشروع القرآني، تتجلى آثار القسط والعدل بوصفهما عاملَي استقرار وصمود، رغم العدوان والحصار، ومن أبرز الشواهد، حضور مفهوم المسؤولية العامة، والنظر إلى الوظيفة والموقع الرسمي كأمانة لا كمغنم، وكذلك تراجع مظاهر الفوضى والانفلات الأمني، ووجود الأمان المجتمعي، وأيضاً الاهتمام بالفئات المستضعفة، وتفعيل قيم التكافل الاجتماعي، خصوصًا تجاه أسر الشهداء والجرحى، وإقامة أركان الدين الإسلامي وتفعيل فريضة الزكاة التي تقوم بواجبها تجاه الضعفاء من الفقراء والمساكين ، وكذلك إدارة الموارد بروح المسؤولية، والاعتماد النسبي على الذات، بما خفف من حدة الانهيار الاقتصادي المتوقع في ظل الحصار، ويعكس هذا الواقع ما كان يؤكد عليه الشهيد القائد من أن القسط والعدل يشكلان قاعدة قوة للمجتمع، حتى في أشد الظروف.
في المقابل، تعاني المحافظات الجنوبية المحتلة من نتائج مباشرة لغياب القسط والعدل، وهيمنة قوى الاحتلال وأدواته، حيث تظهر بوضوح، تفشي الجور والظلم، وغياب العدالة والمساءلة، وتدهور الأوضاع المعيشية، وارتفاع الأسعار، وانقطاع المرتبات، وانهيار الخدمات الأساسية، والانفلات الأمني وتعدد المليشيات، وتحول السلاح إلى أداة قمع وابتزاز، وكذلك ارتهان القرار السياسي والاقتصادي للمحتل، بما يتناقض مع كرامة الإنسان واستقلاله، ويُجسّد هذا الواقع ما حذر منه الشهيد القائد من أن الابتعاد عن هدي الله، وتحويل الإيمان إلى مجرد شعار، يؤدي حتمًا إلى ضياع الحقوق وتفكك المجتمع.
دلالة الواقع في ميزان القرآن
تؤكد هذه الشواهد الميدانية صدق المعادلة القرآنية التي ركّز عليها الشهيد القائد، فالإيمان الحقيقي هو الذي يُترجم إلى قسط وعدل في الحكم والإدارة، أما الإيمان المنفصل عن الواقع فسرعان ما يفقد أثره، بل ويتحول إلى غطاء للظلم.
ختاماً
تقدّم رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه فهمًا متكاملًا لإقامة القسط والعدل، بوصفها، مسؤولية فردية لا تسقط، ومشروعًا أمميًا لا يكتمل إلا ببناء أمة واعية، وتجسيدًا عمليًا للإيمان الصادق، وأساسًا للاستقرار والصمود، ومعيارًا حقيقيًا لقياس صدق المشاريع في الواقع.
وبذلك يصبح القسط ليس مجرد مفهوم نظري، بل ميزانًا إلهيًا تُقاس به حياة الأمم، كما أراده الله، وكما جسّده الشهيد القائد في رؤيته القرآنية المباركة .