للصبر حدود وللميدان كلمة.. أمين عام حزب الله يعلن نهاية مرحلة “الالتزام من طرف واحد”

يمانيون|
لم يكن خطاب الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، مساء اليوم مجرد تعقيب على تطورات ميدانية عابرة، بل جاء كبيان تاريخي ينهي حقبة “الاختبار الدبلوماسي” التي استمرت خمسة عشر شهراً من الخديعة الصهيونية والمراوغة الأمريكية.

في هذا الخطاب، لم يتحدث الشيخ بلغة العاطفة، بل بلغة الوقائع القاسية والأرقام الدامية، ليعلن للعالم أجمع أن “الصبر الاستراتيجي” الذي مارسته المقاومة لم يكن ضعفاً، بل كان إقامة للحجة وتعرية لمشروع “الإبادة السياسية” الذي يُحاك ضد لبنان.

لقد وضع الشيخ النقاط على حروف السيادة الجريحة، مؤكداً أن زمن الالتزام من طرف واحد قد ولى إلى غير رجعة، وأن الميدان اليوم هو من يكتب بنود المرحلة الجديدة.

​خديعة “الهدوء المسموم”.. 450 يوماً تحت مقصلة الغدر

​يتجلى في عمق الخطاب استعراض دقيق للمرحلة التي تلت اتفاق 27 نوفمبر 2024، حيث كشف الشيخ قاسم كيف تحول “وقف إطلاق النار” في المنظور الصهيوني إلى رخصة مفتوحة للقتل والتدمير بعيداً عن صخب المواجهة الشاملة.

إن الحديث عن عشرة آلاف خرق بري وبحري وجوي ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو توصيف لواقع “الاحتلال المقنع” الذي مارسه الكيان الصهيوني برعاية أمريكية كاملة.

​لقد استعرض الشيخ فاتورة الدم التي دفعها لبنان خلال أشهر “السلم المدعى”، حيث ارتقى نحو 500 شهيد وسقط جريحين يومياً، ما يعني أن العدو كان يدير حرب استنزاف صامتة تهدف إلى تآكل قدرات المقاومة وبيئتها دون دفع أثمان سياسية.

هذا “الهدوء المسموم” كان يهدف بوضوح إلى تحويل الجنوب اللبناني إلى منطقة عازلة فعلياً عبر تجريف الأراضي وخطف المواطنين، وهو ما اعتبره الشيخ قاسم تجاوزاً لكل الخطوط الحمراء التي رسمتها “معركة أولي البأس”.

​”خطيئة أغسطس” والارتهان لوهم الوصاية

​ينتقل الشيخ في خطابه إلى الجبهة الداخلية، حيث وجه نقدًا لاذعًا لـ “الخطيئة الكبرى” المتمثلة في قرارات الحكومة اللبنانية خلال شهر أغسطس الماضي.

حيث يرى الشيخ أن تلك القرارات لم تكن مجرد إجراءات إدارية، بل كانت “تنازلاً استراتيجياً” شجع العدو على التمادي، وأعطى انطباعاً بأن الدولة اللبنانية مستعدة للمقايضة على سيادتها مقابل وعود دبلوماسية فارغة.

​لقد فكك الخطاب السردية التي تحاول حصر الأزمة في “سلاح المقاومة”، مؤكداً أن المشكلة الوجودية تكمن في “الاحتلال” وفي الخرق الدائم للسيادة الذي يمارسه الطيران الصهيوني والأمريكي في الأجواء اللبنانية.

وإن محاولة نزع أوراق القوة من يد لبنان وهو تحت النار، هي عملية “تجريد من السلاح” تمهد لفرض الإذعان والاستسلام، وهو المسار الخطير الذي قررت المقاومة إيقافه قبل فوات الأوان.

 “إسرائيل الكبرى” واستهداف الرموز.. المعركة الوجودية

​في هذا الجزء من الخطاب، يرتفع السقف ليشمل الخطر الوجودي الذي يتهدد المنطقة بأسرها.

لم يعد الصراع مجرد خلاف على “تطبيق القرار 1701” أو حدود الليطاني، بل هو مواجهة صريحة مع مشروع “إسرائيل الكبرى”.

استشهاد الشيخ قاسم بتصريحات نتنياهو وتأييد السفير الأمريكي لمقولة “من الفرات إلى النيل” يضع المقاومة في لبنان في خندق واحد مع كل قوى التحرر في المنطقة.

​إن الربط بين العدوان على لبنان وبين استهداف المرجع الديني الكبير الإمام علي الخامنئي، يعكس وعي المقاومة بأن الحرب تستهدف “الرأس” والمشروع والمقدسات، وليس فقط الجغرافيا.

ومن هنا، تصبح “الصلية الصاروخية” التي أطلقتها المقاومة رداً شرعياً وواجباً مقدساً لتحطيم “التوهم الصهيوني” بأن الصمت سيستمر إلى ما لا نهاية، وهي رسالة بالنار مفادها أن حماية لبنان هي جزء لا يتجزأ من حماية كرامة الأمة ورموزها الكبرى.

​ختاماً.. الميدان هو المبتدأ والخبر

يخلص خطاب الشيخ نعيم قاسم إلى حقيقة استراتيجية كبرى: “إذا كان العدو لا يحسب حساباً للدولة ولا للقرارات الدولية، فإنه حتماً سيحسب حساباً لصواريخ المقاومة”.

لقد انتهى زمن الرهان على “حسن نوايا” الوسطاء، وبدأت مرحلة “فرض السيادة” بالفعل الميداني.

وإن الصلية الصاروخية الأخيرة لم تكن هي التي فتحت باب الحرب، بل هي التي أغلقت أبواب الاستباحة، ووضعت حداً لخمسة عشر شهراً من الغطرسة.

اليوم، يعلن حزب الله أن الخيارات باتت واضحة: إما وطن سيد حر وقوي، وإما مشروع صهيوني يبتلع الجغرافيا والتاريخ.. وبصمود الميدان، اختار لبنان طريق العزة.

You might also like