المعادلة الفرعونية تتهاوى أمام سنن الله
في سياق الادلالات القرآنية المستلهمة من قصة نبي الله موسى عليه السلام، قدّم السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله قراءة عميقة تتجاوز البعد التاريخي إلى تشخيص الواقع المعاصر، كاشفًا أوجه التشابه بين المعادلات الفرعونية في زمن موسى عليه السلام، والمعادلات الطاغوتية القائمة اليوم، التي تستهدف الأمة بأبشع صور العدوان والطغيان، وفي مقدمتها العدوان الصهيوأمريكي على الجمهورية الإسلامية في إيران، وما يرافقه من مواقف عربية متماهية مع العدو، تمثل وصفها خسرانًا مبينًا وضلالًا بيّنًا، هذا التقرير يتناول أبرز الأبعاد والدلالات التي حملها الدرس، ويربط بين السنن القرآنية والوقائع السياسية الراهنة، في قراءة تحليلية تستنطق الحاضر بهدي القرآن.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
المعادلة الفرعونية .. حين يتحول الطغيان إلى منظومة
في عرضه لقصة موسى عليه السلام، توقف السيد القائد عند طبيعة النظام الفرعوني، الذي لم يكن مجرد حاكم مستبد، بل منظومة متكاملة من القهر والإرهاب والتضليل، تقوم على البطش، وبث الرعب، وتوظيف الإعلام والوجاهات الاجتماعية لتكريس الظلم، فرعون لم يكن وحده في الميدان، بل أحاط نفسه بملأٍ داعم، وأجهزة تنفيذية، وأدوات تضليل، تمامًا كما تفعل قوى الاستكبار اليوم. فالمعادلة الصهيوأمريكية الراهنة تسير بذات المنهج، عدوان مباشر، حصار شامل، تشويه إعلامي، واستقطاب أنظمة تابعة توفر الغطاء والدعم، العدوان على إيران ليس حدثًا معزولًا، بل جزء من استراتيجية أوسع لإخضاع الأمة، واستهداف كل من يقف في موقع الرفض والممانعة، وهنا تتجلى دلالة الربط القرآني، فالطغيان في كل عصر يتشابه في أدواته، وإن اختلفت أسماؤه وشعاراته.
مساندة الطغيان .. خسران وضلال مبين
من أبرز ما توقف عنده السيد القائد، موقف بعض الأنظمة العربية التي تنخرط في دعم المشروع الصهيوأمريكي، سياسيًا أو إعلاميًا أو أمنيًا، هذه المساندة في ضوء السنن القرآنية ليست مكسبًا سياسيًا، بل مغامرة خاسرة، فالعدو، كما بيّن الدرس، لا يحمي أحدًا، ولا يكتفي بحلفائه، بل يسعى في نهاية المطاف إلى سحق الجميع وإخضاعهم بالكامل، وهذه حقيقة أثبتتها تجارب التاريخ الحديث، حيث تحولت الأنظمة العربية التي راهنت على الحماية الأمريكية إلى أدوات مستهلكة بلا قرار ولا سيادة، والقرآن يكشف بوضوح مآلات الاصطفاف إلى جانب الطغاة، ويصنفه في خانة “الضلال المبين”، لأن من يقف مع الظالم يساهم في ترسيخ معادلة باطلة، ويشارك في صناعة المأساة التي ستطاله عاجلًا أم آجلًا.
الرجل الناصح .. نموذج الروحية الإيمانية
من الدلالات المهمة والمؤثرة في قصة موسى عليه السلام، مشهد الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، محذرًا موسى من مؤامرة القتل،إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ، توقف السيد القائد عند هذه الشخصية باعتبارها نموذجًا للروح المؤمنة المسؤولة؛ روح لا تصمت أمام الظلم، ولا تتفرج على المؤامرة، بل تبادر بالنصح والتحذير وتحمل المخاطرة، وفي واقعنا المعاصر، يمثل هذا النموذج صوت الحق الذي ينبه الأمة إلى خطورة الانخداع بالمعادلات الزائفة، ويحذرها من الانجرار خلف مشاريع الهيمنة، إن واجب النصح ليس ترفًا أخلاقيًا، بل مسؤولية إيمانية وإنسانية، ينهض بها من يحملون همّ الأمة ويحرصون على مصلحتها الحقيقية.
الأخذ بالأسباب والالتجاء إلى الله .. معادلة النصر
رغم تلقيه التحذير، لم يكن موسى عليه السلام متهورًا ولا متكاسلًا، بل أخذ بالأسباب، خرج من المدينة متوجهًا نحو مدين، متيقظًا، حذرًا، لكنه في الوقت ذاته لم يعتمد على الأسباب وحدها، بل كان دائم الالتجاء إلى الله: “رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.” ، هذه المعادلة تمثل قاعدة عملية لكل المؤمنين، وعي بالمخاطر، والأخذ بالأسباب الممكنة، وتوكل حقيقي على الله، والتجاء دائم إليه، وفي مواجهة العدوان الصهيوأمريكي، وفي ظل اختلال موازين القوى المادية، يبقى الالتجاء إلى الله ركيزة أساسية، لا كبديل عن العمل، بل كروح له وامتداد له، فالقرآن لا يربي أمة مستسلمة، بل أمة عاملة متوكلة، تعرف أن النصر بيد الله، وأن سننه لا تحابي الظالمين.
من موسى إلى الحاضر .. سنن لا تتبدل
الدرس القرآني، كما يقدمه السيد القائد، لا يحكي الماضي للتسلية، بل ليبني الوعي، فالمعادلة الفرعونية سقطت رغم جبروتها، لأن مشروعها قائم على الظلم، وكذلك كل مشروع عدواني قائم اليوم، مهما امتلك من قوة عسكرية أو إعلامية أو تحالفات.
العدوان على إيران، ومحاولات إخضاع محور المقاومة في المنطقة، ليست سوى حلقة جديدة في مسار استكبار عالمي يسعى إلى فرض هيمنته بالقوة، لكن السنن الإلهية تؤكد أن عاقبة الطغيان إلى زوال، وأن الاستقامة على خط الحق مع الصبر والوعي والعمل هي الطريق إلى الثبات والنصر.
ختاما ..
كانت رسالة الدرس واضحة، لا تنخدعوا ببريق القوة المادية للطغاة، ولا تراهنوا على حمايتهم، ولا تتخلوا عن موقع الحق بدافع الخوف أو المصلحة الضيقة، كونوا كالرجل الناصح، تحملون مسؤولية الكلمة الصادقة، وكونوا كموسى عليه السلام، تأخذون بالأسباب وتقولون في كل حال: “رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.” ، في زمن تتكاثر فيه الضغوط، وتشتد فيه المؤامرات، يبقى القرآن مرشدًا، والوعي حصنًا، والتوكل على الله ملاذًا لا يخيب، وهنا تتجلى الحقيقة الكبرى أن المعادلات الفرعونية مهما اشتدت، فهي إلى زوال، وأن مشروع الأمة حين يتسلح بالإيمان والوعي والثبات، يملك من عناصر الصمود ما يفوق كل أدوات الطغيان.