القوي الأمين.. المعادلة القرآنية لصناعة الإنسان الذي يغير الواقع

في سياق قصة نبي الله موسى عليه السلام قدّم السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله ، في المحاضرة الرمضانية الثامنة عشرة قراءة تربوية وإيمانية عميقة ، مستخلصاً منها منظومة متكاملة من القيم الأخلاقية والإنسانية التي تشكّل أساس بناء الفرد والمجتمع، وعلى رأسها روح الإحسان، وخلق الحياء، وقيمة الأمانة، وأهمية القوة في أداء المسؤوليات، وأكد السيد القائد أن هذا ال لتقدم نموذجاً عملياً لكيفية صناعة الإنسان الصالح الذي تحيطه رعاية الله وتوفيقه، عندما يلتزم بالقيم الإيمانية والأخلاقية في حياته.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

روح الإحسان مفتاح الرعاية الإلهية

أوضح السيد القائد أن الصفة البارزة في شخصية نبي الله موسى عليه السلام هي روح الإحسان، وهي الروحية التي جعلته أهلاً لعناية الله الخاصة ورعايته الكاملة في مختلف مراحل حياته،  فالإحسان ليس مجرد عمل عابر، بل هو حالة إيمانية عميقة تنعكس في سلوك الإنسان وتعاطيه مع الآخرين، وتجعله حريصاً على فعل الخير وتقديم المعروف دون انتظار مقابل،  ومن خلال استعراض قصة موسى عليه السلام عندما سقى للفتاتين في مدين، يتضح أن المبادرة بالإحسان كانت سبباً مباشراً في فتح أبواب الخير أمامه، حيث تحوّلت تلك المبادرة البسيطة إلى منعطف مهم في حياته، قاده إلى الاستقرار الأسري والعمل والعيش الكريم،  وهنا تتجلى سنة إلهية مهمة يؤكدها القرآن الكريم، وهي أن الإحسان يفتح للإنسان أبواب الرعاية والتوفيق، ويجعله محاطاً بعناية الله وتدبيره.

الحياء خلق الأنبياء ودرع المجتمع الأخلاقي

ومن القيم التي ركز عليها السيد القائد في هذه المحاضرة خلق الحياء، مؤكداً أنه من أعظم الأخلاق التي يتحلى بها الإنسان المؤمن، فالحياء ليس مجرد شعور عابر، بل هو حالة إيمانية راسخة في أعماق النفس تجعل الإنسان يستحي من الله تعالى، فيبتعد عن المعاصي والذنوب، ويتورع عن كل ما يخالف القيم الإلهية،  وأشار السيد القائد إلى أن الحياء من الإيمان، وهو من الصفات البارزة في شخصيات الأنبياء والرسل، الذين بلغوا أعلى درجات الطهر الأخلاقي والسلوكي،  كما شدد على أن الحياء من أهم مميزات المرأة ومن أعظم مكارم الأخلاق، لما يمثله من صمام أمان يحفظ كرامتها ويصون المجتمع من الانحرافات الأخلاقية،  ويظهر هذا الخلق بوضوح في قصة الفتاتين في مدين، حيث قدم القرآن نموذجاً راقياً في العفة والحياء، يعكس المستوى الأخلاقي الرفيع الذي ينبغي أن يتحلى به المجتمع المؤمن.

القوة والأمانة ..  معادلة النجاح في المسؤوليات

وتوقف السيد القائد عند الاقتراح الذي قدمته إحدى الفتاتين لأبيها الصالح باستئجار موسى عليه السلام، حين قالت في الآية الكريمة: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين،
وأوضح أن هذا التعبير القرآني يقدم قاعدة أساسية في اختيار الكفاءات وتحمل المسؤوليات، حيث جمع بين أهم صفتين يحتاجهما أي عمل أو مهمة، وهما،  القوة التي تعني القدرة بمختلف أبعادها الذهنية والنفسية والبدنية،  والأمانة التي تعني حفظ الحقوق والالتزام بالمسؤوليات وعدم الخيانة،  وبيّن السيد القائد أن اقتران القدرة بالأمانة هو سر النجاح في كل الأعمال، بينما يؤدي غياب الأمانة إلى الفشل والفساد حتى لو توفرت القدرات، كما أكد أن الأمانة ليست مفهوماً محدوداً، بل هي مفهوم شامل يتعلق بكل ما استخلف الله الإنسان عليه في هذه الحياة.

الأمانة في حياة الإنسان مسؤولية شاملة

ولفت السيد القائد إلى أن الإنسان يعيش في هذه الدنيا في إطار منظومة واسعة من الأمانات التي حمّله الله مسؤوليتها،  فهناك أمانة النفس، وأمانة الجوارح، وأمانة السمع والبصر، وأمانة الطاقات والقدرات الذهنية والنفسية والبدنية.
وكل هذه النعم يجب أن تستخدم في طاعة الله وخدمة الخير، لا أن تُسخّر في الفساد أو الإضرار بالناس،  كما تمتد الأمانة إلى العلاقات الاجتماعية والتعامل بين الناس، حيث تمثل أساس الثقة والاستقرار في المجتمع، خصوصاً في مواقع المسؤولية العامة، التي يكون البديل عن الأمانة فيها هو الخيانة وما يترتب عليها من فساد وانهيار للقيم.

العمل قيمة إنسانية لا ينبغي اختزالها

وفي سياق حديثه عن عمل موسى عليه السلام عند الرجل الصالح، أكد السيد القائد أن العمل يمثل قيمة إنسانية عظيمة في الإسلام، وأن النظرة القاصرة التي تختزل العمل في الوظائف المكتبية فقط هي من الأخطاء الخطيرة،
وأوضح أن معظم الأعمال في الحياة تعتمد على الجهد البدني والعمل الميداني، وهي أعمال شريفة وأساسية في بناء المجتمعات،  وانتقد الفهم الضيق لدى بعض مخرجات التعليم التي تربط النجاح بالوظيفة المكتبية فقط، في حين أن الإسلام يكرّم العمل بجميع أشكاله ما دام في إطار الحلال وخدمة الناس.

 الزواج والعمل ..  تدبير إلهي في حياة موسى

ومن الجوانب التي أكد عليها السيد القائد،  أن عرض الرجل الصالح لموسى عليه السلام بالزواج من إحدى ابنتيه والعمل عنده لثماني حجج كان عرضاً قائماً على العدل والرحمة والصلاح،فهذا العرض وفّر لموسى عليه السلام عدة مقومات للحياة المستقرة، منها،  الأسرة والزواج، البيت والسكن،  والعمل الشريف،  والبيئة الصالحة،  وقد أكد موسى عليه السلام للرجل الصالح أنه سيجده من الصالحين في تعامله معه، في إشارة إلى أن الصلاح هو أساس العلاقات الإنسانية السليمة، وهو الضمان الحقيقي لتجنب النزاعات والمشكلات بين الناس.

درس مهم الاتفاقيات الواضحة في حياة المجتمعات

ومن الدروس المهمة التي أشار إليها السيد القائد في هذه القصة أهمية وضوح الاتفاقيات بين الناس،  فالاتفاق الذي تم بين موسى عليه السلام والرجل الصالح كان قائماً على  التراضي الكامل، والوضوح في الشروط،  وغياب الغموض، واستحضار رقابة الله تعالى، وهذه القواعد تمثل أساساً مهماً في تنظيم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، وتمنع الكثير من النزاعات التي تنشأ بسبب الغموض أو عدم الوضوح في الاتفاقات.

دلالات تربوية لبناء مجتمع القيم

يكشف السيد القائد في هذا الدرس عن رؤية تربوية عميقة لبناء الإنسان والمجتمع، حيث تتكامل فيها مجموعة من القيم القرآنية التي تشكل أساس النهضة الإنسانية،  فالإنسان الذي يتحلى بروح الإحسان، ويتزين بخلق الحياء، ويتحمل مسؤولياته بالأمانة، ويعمل بجد واجتهاد، ويقيم علاقاته على الصلاح والوضوح، هو الإنسان القادر على بناء مجتمع قوي متماسك تسوده القيم الإيمانية والأخلاقية،  وهكذا تقدم قصة موسى عليه السلام كما عرضها السيد القائد  نموذجاً قرآنياً متجدداً يذكّر الأمة بأن طريق النجاح الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان الصالح الذي يعيش تحت رقابة الله، ويتعامل مع الحياة بروح الإيمان والمسؤولية.

You might also like