بنت جبيل.. ملحمة الصمود المستمرة ومستنقع الاستنزاف المفتوح
تتواصل في بنت جبيل واحدة من أعنف جولات المواجهة على الجبهة الجنوبية اللبنانية، حيث تحولت المدينة من جديد إلى ساحة استنزاف مفتوحة تكشف، يومًا بعد يوم، حدود القوة العسكرية الإسرائيلية أمام صمود ميداني منظم ومتماسك، فعلى الرغم من الحصار العسكري، وكثافة القصف الجوي والمدفعي، ومحاولات التطويق من عدة محاور، ما تزال المعركة مستمرة، فيما تؤكد المعطيات الميدانية أن القوات المهاجمة لم تتمكن حتى الآن من فرض سيطرة حاسمة داخل المدينة، لتبقى بنت جبيل عنوانًا لصمود استثنائي ومقاومة شرسة على الأرض.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
صمود أسطوري يبدد رهانات الحسم
دخلت قوات العدو الإسرائيلي هذه الجولة وهي تراهن على إعادة إنتاج سيناريو الحسم السريع عبر التطويق الناري والتقدم البري المتدرج، غير أن الواقع الميداني فرض معادلة مختلفة تمامًا،فالمقاومة، التي استفادت من خبرة طويلة في حرب المدن والكمائن، نجحت في تحويل محاور التقدم إلى نقاط استنزاف، حيث تدور اشتباكات مباشرة ومتقاربة على مداخل المدينة وأطرافها،
وتشير تقارير حديثة إلى أن القوات الإسرائيلية استطاعت تطويق المدينة من الخارج، لكنها لا تزال تواجه مقاومة عنيفة تعرقل التوغل إلى الداخل، مع استمرار الاشتباكات “وجهاً لوجه” في عدة نقاط ساخنة، وهذا ما يمنح المعركة بعدًا رمزيًا كبيرًا، إذ تتكرر صورة بنت جبيل كمدينة عصية على الكسر.
خسائر فادحة في العدة والعتاد والجنود
تكشف تطورات الأيام الأخيرة أن كلفة المعركة على جانب العدو الإسرائيلي لا تزال مرتفعة، فالتقارير الميدانية تكشف عن اشتباكات عنيفة أدت إلى إصابات مباشرة في صفوف جنود العدو، واستهداف آليات عسكرية، فضلًا عن استنزاف متواصل للقوات المتقدمة بفعل الكمائن النارية والصواريخ الموجهة، كما تؤكد مصادر متعددة أن المعركة تحولت إلى مستنقع استنزاف طويل الأمد، في ظل استمرار القتال على تخوم المدينة وعدم قدرة القوات المهاجمة على تثبيت سيطرة كاملة، هذا الاستنزاف لا يقتصر على الخسائر البشرية، بل يمتد إلى مستوى الجاهزية العملياتية، مع اضطرار جيش العدو الإسرائيلي إلى الدفع بعدة فرق عسكرية كبيرة إلى الجبهة الجنوبية.
بنت جبيل .. سقوط وهم التفوق المطلق
تكشف هذه المعركة من جديد أن التفوق الجوي والتكنولوجي لا يعني بالضرورة حسم المعركة على الأرض، فالميدان في بنت جبيل يثبت أن الإرادة القتالية، ومعرفة الجغرافيا، والقدرة على إدارة الاشتباك القريب، قادرة على تعطيل خطط جيش يمتلك تفوقًا ناريًا كبيرًا، لقد تحولت المدينة إلى نموذج متجدد لفشل فرض الإرادة بالقوة، حيث ما تزال المقاومة تحافظ على حضورها الميداني وتمنع تثبيت واقع الاحتلال داخلها.
البعد الرمزي للمعركة المستمرة
لا تُقرأ بنت جبيل فقط بوصفها معركة عسكرية، بل باعتبارها رمزًا سياسيًا ومعنويًا للصمود، فالمدينة التي حملت رمزية كبيرة منذ عام 2000 عادت اليوم لتكون مركزًا لاختبار الإرادة بين مشروع الاجتياح ومشروع الصمود، وكل يوم تستمر فيه المعركة يضيف بعدًا جديدًا إلى صورة الفشل الإسرائيلي في كسر هذه الجبهة.
ختاما ..
بنت جبيل اليوم ليست مجرد جبهة قتال، بل ملحمة مفتوحة تعيد كتابة معنى الصمود في الحروب الحديثة، هناك، على أسوار الجنوب، تتكسر محاولات الاقتحام أمام مقاومة متماسكة، فيما تتراكم خسائر العدو وتتعاظم كلفة المغامرة العسكرية، إنها معركة لم تُحسم بعد، لكن نتائجها حتى اللحظة ترسم بوضوح مشهدًا عنوانه: صمود أسطوري للمقاومة واستنزاف متواصل للقوات المهاجمة.