خلف كواليس “الحرب الناعمة”.. “الصرخة” حصن الأمة ضد مخططات التدجين والتبعية
بينما تتسارع وتيرة الأحداث وتتفاقم محاولات طمس الهوية الإسلامية وتدجين الشعوب، تأتي كلمة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي لتكون بمثابة بيان تاريخي، يحدد ملامح المستقبل ويحذر من مغبة الانزلاق في فخ التبعية, فـ “الصرخة في وجه المستكبرين”، التي نحتفي بذكراها السنوية، هي أكثر من مجرد استذكار؛ إنها دعوة متجددة لليقظة الاستراتيجية والانتباه لمخاطر الهجمة اليهودية الصهيونية الأمريكية التي تستهدف الأمة في دينها وكرامتها ومقدساتها, وتحذير صارم من مغبة التخاذل والولاء للأعداء، وتأكيد قاطع على أن السبيل الوحيد للعزة والنصر يكمن في التمسك بالموقف القرآني، ومقاطعة أدوات العدو، والتحرك العملي الصادق في سبيل الله، لبناء مستقبل يليق بالأمة ومكانتها التاريخية.
يمانيون| محسن علي
“الصرخة”.. منشأ قرآني وتاريخ من الصمود
تأتي الذكرى السنوية لـ “الصرخة في وجه المستكبرين” لتؤكد على عمقها التاريخي والقرآني. فمنذ انطلاقها في الرابع من ذي القعدة عام 1422هـ (الموافق 17 يناير 2002م) من محاضرة الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي في مدرسة الإمام الهادي بمران، محافظة صعدة، لم تكن مجرد رد فعل عابر، بل كانت تجسيدًا لموقف قرآني أصيل في وجه الطاغوت والاستكبار, وقد أكد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي على أن هذه الصرخة تحمل قيمة إيمانية وأهمية واقعية في مرحلة تاريخية حرجة، تتسم بهجمة كفر وطاغوتية غير مسبوقة، تحمل راية “الجاهلية الأخرى”، وتمتلك من الإمكانات والوسائل والأهداف الشيطانية ما يفوق سابقاتها الهالكة على مر التاريخ.
الهجمة الصهيونية الأمريكية..أبعادها ومخاطرها الخادعة
كشفت كلمة السيد القائد عن الأبعاد الخطيرة للهجمة اليهودية الصهيونية الأمريكية والإسرائيلية على الأمة الإسلامية، والتي انتقلت إلى مرحلة متقدمة في غاية الخطورة مع بداية الألفية الثالثة, وقد استُخدمت في هذه الهجمة عناوين مخادعة وزائفة مثل “تغيير الشرق الأوسط” و”مكافحة الإرهاب”، لتكون غطاءً لأهداف استعمارية وتدميرية. وفي المقابل، رصد السيد القائد ظاهرة مؤسفة تمثلت في مسارعة معظم الأنظمة والحكومات والزعماء في الأمة لإعلان الولاء والخضوع للأعداء، واصفًا ذلك بأنه من أسوأ مظاهر الارتداد والتراجع عن مبادئ الإسلام وقيمه، وأن هذه الحالة من التخاذل تخدم بشكل مباشر الهجمة الأمريكية والإسرائيلية التي تستهدف الأمة في وجودها.
الجهاد والمقاومة..الموقف الصحيح والتحصين الإيماني
في مواجهة هذا التخاذل، شدد السيد القائد على أن الموقف الصحيح كان ينبغي أن يكون بالنفير العام والجهاد في سبيل الله، والتحرك في كل المجالات من منطلق المسؤولية، رفضًا للخنوع والاستعباد. وأكد أن هذا الموقف، وإن كان محدودًا في واقع الأمة، إلا أنه يحظى بقيمة كبيرة في ميزان الإيمان والأخلاق، ويعبر عن الثقة العالية بالله والمصداقية للانتماء الإيماني, فالصرخة، في جوهرها، هي تجسيد للتعليمات القرآنية القيمة، وهي بداية الانطلاقة العملية في إطار المشروع القرآني المبارك، ونقلة حكيمة تنتقل بالناس من حالة الجمود إلى مستوى الموقف الحق، في إطار توعية قرآنية وتعبئة إيمانية وتحرك عملي بناء وحكيم.
“الصرخة”.. فضح الأعداء وضبط بوصلة العداء
تتجاوز “الصرخة في وجه المستكبرين” كونها مجرد شعار، لتصبح أداة فعالة في فضح عناوين الأعداء ومخططاتهم التي يعتمدون عليها لخداع السذج والمغفلين، مثل عناوين “الحرية” و”حقوق الإنسان” و”الديمقراطية”. وقد ضرب السيد القائد أمثلة حية على ذلك، مشيرًا إلى جرائم إسرائيل في قطاع غزة بدعم أمريكي، وتساءل عن حقوق الإنسان والمرأة في ظل هذه الجرائم, كما تعمل الصرخة على ترسيخ التكبير والتعظيم لله، وإسقاط كل حالات التعظيم والانكسار أمام قوى الطاغوت والاستكبار، وتضبط بوصلة العداء في الاتجاه الصحيح، موجهة الأمة نحو أعدائها الحقيقيين وهم اليهود الصهاينة، الذين يسعون إلى زرع اليأس والروح الانهزامية في أوساط الأمة.
تكميم الأفواه.. مؤامرة لفرض الصمت
تطرق السيد القائد إلى مساعي الأعداء الحثيثة لتكميم الأفواه ومنع أي صوت حر يناهض الهيمنة والطغيان الأمريكي الإسرائيلي. وكشف عن وصول الحال في بعض البلدان الخليجية إلى معاقبة من يكتب تغريدة للتعاطف مع الشعب الفلسطيني، وسجنه وتغريمه. كما يُمنع في هذه البلدان إظهار أي تعاطف مع حزب الله والشعب اللبناني تجاه العدوان الإسرائيلي، بينما يُسمح بالتعبير عن الولاء للعدو وتبرير جرائمه وانتقاد المجاهدين والإساءة إلى الشعب الفلسطيني, وأكد أن هذا المنع أسوأ مما هو عليه الحال في أمريكا وبريطانيا وأوروبا، وأن الأعداء يريدون فرض حالة الصمت التام ومنع أي رد فعل تجاه طغيانهم، حتى لو كان مجرد احتجاج كلامي، والذي يمكن أن يحيي في الأمة الشعور بالمسؤولية ويحركها للنهوض بمسؤولياتها.
اليهود الصهاينة..الدور الأساسي في العداء
أكد السيد القائد على أن اليهود لهم الدور الأساس في الحركة الصهيونية وحركة العداء للأمة، والسعي للإضلال والإفساد في العالم. وحذر من خطورة تمكن اليهود الصهاينة وأعوانهم من التلاعب والاختراق في مسألة الولاء والعداء داخل الأمة، مشيرًا إلى أنهم نجحوا في حرف بوصلة العداء لتيارات واسعة من أبناء الأمة، وتوجيه حكومات وزعماء واتجاهات سياسية وحزبية ومذهبية وعقائدية لمعاداة من يعادي اليهود الصهاينة ويتصدى لمخططاتهم, واعتبر أن ما يفعله التكفيريون وبعض الأنظمة هو مثال على حرف العداء باتجاه من يمثل عائقًا في وجه المخططات والأجندة الأمريكية الإسرائيلية.
المقاطعة والتثقيف القرآني.. أدوات استراتيجية للمواجهة الشاملة
لم تقتصر استراتيجية “الصرخة” على الجانب المعنوي والفكري، بل ترافق معها دعوة عملية إلى مقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية. وقد أكد السيد القائد على الأهمية الكبرى لهذه المقاطعة في الحرب الاقتصادية والمواجهة الشاملة للأعداء، ودورها في تحقيق الاكتفاء الذاتي والتحول إلى أمة منتجة, كما شدد على أهمية التثقيف القرآني والتوعية والربط العملي بالقرآن الكريم، باعتباره السبيل الأمثل لتعيد الأمة تصحيح مسارها واستعادة رشدها في مواجهة حالة الضياع التي تعاني منها، وأن هذا الربط هو من أهم ما تحتاجه الأمة لتكون قوية في مواجهة الأعداء في كل المجالات.
صمود غزة وانتصارات المقاومة.. دروس وعبر
وفي ختام كلمته، أشاد السيد القائد بصمود المجاهدين في قطاع غزة، معتبرًا هذا الصمود العظيم دليلًا حيًا على وعد الله بالنصر، وأنه يجب أن يحظى في كل أوساط الأمة بالتقدير والتشجيع والإشادة والتمجيد، ثم بالمساندة والدعم بكل الأشكال. وندد بالأنظمة الموالية لأمريكا وإسرائيل التي تسعى لزرع اليأس في نفوس أبناء الأمة، وتعمل على تشويه انتصارات المقاومة، مستشهدًا بتشويه انتصارات حزب الله في عامي 2000 و2006، حيث اتجهت القوى التكفيرية وعلماء السوء لتبخيس هذه الانتصارات والتشكيك فيها، رغم أنها أحيت الأمل في إمكانية دفع الخطر عن الأمة, وأكد أن الله قد حدد آفاق وعواقب ونتائج المواجهة مع العدو اليهودي الصهيوني بحقائق واضحة في القرآن الكريم، وأن النصر حليف الأمة إذا تحركت وفق تعاليم الله وأخذت بأسباب النصر، وأن “الصرخة” هي عامل مهم في الدفع بالمسلمين نحو جمع كلمتهم وبناء الأمة عسكريًا واقتصاديًا وثقافيًا وعلميًا. فالأمة إذا تحركت في إطار مبادئ الإسلام وقيمه وتعليماته ستنتصر بذلك وتظهر وتعلو.