“الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”.. قراءة تحليلية في أبعاد ودلالات المسيرات الجماهيرية
حمل البيان الصادر عن المسيرات الجماهيرية تحت شعار “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد” جملة من الرسائل السياسية والعسكرية والإعلامية التي تعكس طبيعة الخطاب الذي يتبناه الشعب اليمني في هذه المرحلة، ويقدم تصوره لكيفية التعامل مع التطورات الإقليمية والدولية المرتبطة باليمن ومظلوميته، ويعكس البيان انتقال الخطاب من التأكيد على المواقف السياسية إلى التشديد على معادلات الردع، باعتبارها الوسيلة الأكثر فاعلية للضغط من أجل إنهاء الحصار وتحقيق ما يراه حقوقاً سيادية واقتصادية لليمن.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
تفويض القيادة وتماسك الجبهة الداخلية
أولى الرسائل التي ركز عليها البيان تمثلت في تجديد “التفويض المطلق” للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله لاتخاذ ما يراه مناسباً من قرارات في مواجهة التطورات الراهنة، ويحمل هذا الطرح من الناحية السياسية دلالة إظهار تماسك الموقف الداخلي داخل المناطق الخاضعة لسلطة أنصار الله، وتأكيد وحدة القرار السياسي والعسكري في مواجهة الضغوط الخارجية، مع إبراز القيادة باعتبارها المرجعية العليا في رسم مسار المواجهة.
ترسيخ معادلة الرد بالمثل
المضمون الأكثر حضوراً في البيان كان التأكيد على معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”، وهي معادلة يقدمها البيان باعتبارها إطاراً حاكماً للتعامل مع أي إجراءات تصعيدية من العدو السعودي، ومن خلال هذه المعادلة يسعى الخطاب إلى إيصال رسالة مفادها أن استمرار الضغوط أو الإجراءات العسكرية سيقابله رد مماثل، في موقف يظهر امتلاك أوراق ضغط مقابلة يمكن توظيفها في الصراع مع العدو.
ربط الملف الاقتصادي بالبعد العسكري
ومن أبرز الدلالات التي حملها البيان الربط المباشر بين الحصار الاقتصادي والردود العسكرية، إذ يربط إنهاء الإجراءات العسكرية بإنهاء الحصار واستعادة الثروات والسيادة، ويعكس ذلك دمج الملفات الاقتصادية والسياسية والعسكرية في خطاب واحد، بحيث تُقدَّم قضية الموارد الاقتصادية باعتبارها جزءاً من معادلة الصراع وليست ملفاً منفصلاً عنه.
تعزيز مفهوم الصمود وتحمل الكلفة
كما ركز البيان على التأكيد بأن أي تكاليف قد تترتب على التصعيد تُقدَّم في إطار “المعركة العادلة”، وهو خطاب يهدف إلى تعزيز الاستعداد لتحمل تبعات المواجهة وإظهارها باعتبارها ثمناً لتحقيق أهداف أكبر تتعلق بالسيادة والاستقلال،
ويمثل هذا الخطاب أحد أدوات تعبئة الرأي العام والمحافظة على تماسك الجبهة الداخلية في ظل استمرار الصراع.
الإسناد الإقليمي واتساع دائرة الخطاب
ولم يقتصر البيان على الشأن اليمني، بل وسع دائرة الخطاب لتشمل القضية الفلسطينية، والأوضاع في العراق، والدعوة إلى “وحدة ساحات الإسلام والجهاد”، ويعكس ذلك محاولة ربط التطورات اليمنية بالسياق الإقليمي الأوسع، وتقديمها باعتبارها جزءاً من شبكة من الأزمات والصراعات المتداخلة في المنطقة، بما يعزز البعد الإقليمي للخطاب السياسي والإعلامي.
البعد الإعلامي والنفسي
على المستوى الإعلامي، اعتمد البيان على لغة مكثفة تقوم على الشعارات المركزية والرسائل المختصرة القابلة للتداول، وفي مقدمتها شعار “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”، بما يسهم في ترسيخه بوصفه عنواناً للمرحلة،
كما استخدم البيان مفردات مثل “السيادة”، و”الثروات”، و”الحرية”، و”الرد بالمثل”، وهي مفاهيم تحمل دلالة رمزية عالية تستهدف تعزيز الحشد المعنوي وإضفاء بعد وطني على الخطاب.
دلالات المرحلة المقبلة
تشير مضامين البيان إلى أن الخطاب يتجه نحو تثبيت معادلات الردع، مع الاستمرار في ربط أي تهدئة مستقبلية بمعالجة قضايا الحصار والملفات الاقتصادية والسيادية، كما يعكس البيان توجهاً للحفاظ على مستوى مرتفع من التعبئة السياسية والإعلامية، وإبقاء القضايا الإقليمية حاضرة في الخطاب باعتبارها جزءاً من السياق الذي تُفسَّر من خلاله التطورات في اليمن.
ختاما ..
يعكس بيان مسيرات “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد” خطاباً يجمع بين الرسائل السياسية والعسكرية والإعلامية، ويركز على تأكيد وحدة القيادة، وإبراز مفهوم الردع، وربط الملفات الاقتصادية بالسيادية، مع توسيع إطار الخطاب ليشمل قضايا إقليمية أوسع، ويقدم البيان رؤية القيادة في اليمن للمرحلة الحالية، بينما تبقى مآلات هذه المواقف وتأثيرها العملي مرتبطة بتطورات المشهد الميداني والسياسي.