النظام السعودي يهرب من فشل دفاعاته باتهام صنعاء.. حادثة مسجد تكشف التضليل
بينما تحاول الرياض، كعادتها، توظيف الخطاب الديني في تضليل الرأي العام وقلب الحقائق، سارعت قنواتها إلى اتهام صواريخ صنعاء بإصابة مسجد في المنطقة الجنوبية المحاددة لليمن، متجاهلة السؤال الذي ينسف روايتها من أساسها: أين الدليل الفني الذي يثبت أن المقذوف يمني؟ ولماذا لا تُعرض بقاياه ومساره ونتائج التحقيق فيه؟
وفي مواجهة هذه الرواية، يؤكد الموقف المعلن لصنعاء، منذ بدء العدوان السعودي على اليمن عام 2015 ووصولًا إلى عمليات الرد والتصعيد لكسر الحصار، أن هذا الاتهام عار عن الصحة وأن عملياتها تستهدف المواقع العسكرية والمنشآت المرتبطة بالعدوان، لا المدنيين، وتبرز المفارقة في أن نظامًا شنّ حربًا مدمرة وحصارًا واسعًا على اليمن، وطالت غاراته أكثر من 1200 مسجدا في مختلف المحافظات اليمنية فضلا عن الاستهداف المباشر للمنشآت المدنية والخدمية، يسارع اليوم إلى التنصل من نتائج إخفاق دفاعاته الجوية، مستبدلًا التحقيق بالدعاية، والدليل بالاتهام، والمسؤولية بالتضليل.
يمانيون| محسن علي
المعطيات التي أعلنها مصدر عسكري بصنعاء تشير إلى أن الأضرار نجمت عن سقوط صاروخٍ دفاعي سعودي أخفق في اعتراض الهجوم، ما يعني أن المنظومة التي يفترض أن تحمي المدن تحولت إلى مصدر خطر عليها، قبل أن تتولى المنظومة الإعلامية مهمة التغطية على الإخفاق باتهام الخصم، ويعيد الحادث طرح سؤال أوسع حول سجل العمليات اليمنية، التي تؤكد صنعاء أنها وجّهت ضرباتها إلى أهداف عسكرية ومنشآت مرتبطة بالعدوان، ولم تتعمد طوال سنوات المواجهة استهداف المدنيين السعوديين، في مقابل سجل طويل من الغارات التي طالت المدن والمنشآت المدنية في اليمن، بينما يواصل النظام السعودي إدارة المعركة إعلاميًا بالإنكار والتضليل كما أدارها عسكريًا بالغارات والحصار.
اتهام بلا دليل للهروب من الإخفاق
أعاد الإعلام السعودي، عبر قنواته ومنابره، إنتاج رواية تتهم صواريخ اليمن بإصابة مسجد داخل إحدى المدن السعودية. غير أن مصدرًا عسكريًا نفى صحة هذه المزاعم، وأكد أن الأضرار نتجت عن سقوط صواريخ دفاعية سعودية فشلت في اعتراض الصواريخ اليمنية، ولا يتعلق الأمر بتفصيل تقني عابر، بل بمحاولة واضحة لإعادة توجيه المسؤولية، فحين تسقط صواريخ الاعتراض داخل المدن، وتلحق أضرارًا بمنشآت مدنية، يصبح الاعتراف بالفشل أكثر كلفة من اختلاق رواية جاهزة تتهم الخصم، وبدل أن يفتح النظام السعودي تحقيقًا شفافًا يحدد نوع المقذوف ومساره ومصدر الأضرار، اندفعت قنواته إلى اتهام صنعاء، وكأن بث الرواية يغني عن تقديم الأدلة، كما إن تحديد المسؤولية في مثل هذه الحوادث لا يتم بالانفعال ولا بالصور المنتقاة، بل بفحص بقايا الصاروخ، وتحليل اتجاه السقوط، وتحديد طبيعة الرأس الحربي، ومطابقة الحادث مع سجلات الرادار والإطلاق. وما لم تُقدَّم هذه الأدلة، فإن اتهام صواريخ صنعاء يبقى رواية سياسية وإعلامية لا نتيجة تحقيق فني.
أكثر من 1264 مسجدا في اليمن دمرتها الغارات السعودية
بالعودة الى جرائم العدو السعودي منذ 2015 فقد دأب العدوان السعودي الأمريكي على مدى سنوات العدوان على استهداف الأماكن الدينية والتاريخية في سابقة تُعد الأولى من نوعها في تاريخ الحروب ، فقد تفوق النظام السعودي – الإماراتي على داعش في حجم تدمير التراث الديني والثقافي من خلال استهداف المئات من دور العبادة والأماكن التاريخية ، وبلغة الأرقام بلغ عدد المساجد والمعالم التاريخية التي طالها العدوان ، أكثر من 1264 مسجداً و50 مقاماً خلال 8 سنوات من العدوان على اليمن، 80 ٪ من المساجد المدمرة جزء في التراث والتاريخ الديني اليمني ، حيث معظمها مساجد تاريخية وأثرية عمرها يصل إلى أكثر من ألف عام.
منظومة دفاعية تفشل ثم تبحث عن كبش فداء
تعمل منظومات الدفاع الجوي عبر مراحل متتابعة تشمل الرصد، والتعقب، وتحليل المسار، واتخاذ قرار الاعتراض، ثم توجيه الصاروخ إلى نقطة الالتقاء، وأي خلل في هذه السلسلة قد يؤدي إلى فشل الاعتراض أو انحراف الصاروخ أو سقوطه على مناطق مأهولة، لكن المشكلة السعودية لا تقف عند حدود الفشل التقني، فالأخطر هو محاولة تحويل هذا الفشل إلى اتهام سياسي، بدل الاعتراف بأن الصاروخ الاعتراضي قد يكون مصدر الضرر، فالدفاع الذي لا يمنع وصول المقذوف، ولا يحمي المدنيين من شظاياه أو سقوطه، يتحول من مظلة حماية إلى مصدر خطر إضافي، وهذا يفضح الصورة التي سعى النظام السعودي إلى تسويقها طوال سنوات: دولة تمتلك أحدث منظومات السلاح، لكنها تعجز عن تقديم رواية موثقة عندما تقع الأضرار، وتستبدل التحقيق بالاتهام، والشفافية بالدعاية، والمسؤولية بالمراوغة الإعلامية.
صنعاء.. عمليات معلنة ضد أهداف عسكرية
منذ بدء العدوان الأمريكي السعودي على اليمن عام 2015، أعلنت صنعاء أن عملياتها العسكرية تأتي في إطار الرد على الحرب والحصار، وأنها تستهدف مواقع ومنشآت عسكرية وحيوية مرتبطة بالعمليات العدوانية، ومع انتقال المواجهة إلى عمليات كسر الحصار والرد على التصعيد، ظلت البيانات الصادرة عن صنعاء تميز بين الأهداف العسكرية والمنشآت المدنية، وبحسب الموقف المعلن لصنعاء، لم تكن المدن السعودية والمدنيون يوما ما هدفًا خلال هذه السنوات، بل كانت الضربات تُقدَّم باعتبارها رسائل عسكرية للضغط على القيادة السعودية لوقف العدوان ورفع الحصار، وفي المقابل، تعرضت المدن اليمنية منذ بداية الحرب لأكثر من ربع مليون غارة جوية استهدفت أحياء سكنية وأسواقًا ومجالس عزاء وأعراسًا ومدارس ومستشفيات ومنشآت خدمية، فضلًا عن الحصار الذي طال الغذاء والدواء والوقود.
وهنا تظهر المفارقة الأخلاقية والسياسية: النظام الذي شن حربًا مفتوحة على بلد بأكمله، وفرض حصارًا على ملايين المدنيين، يحاول اليوم تقديم نفسه بوصفه ضحية استهداف مزعوم، بينما يرفض حتى الاعتراف بالمسؤولية عن صاروخ دفاعي سقط داخل مدينة سعودية.
إعلام سعودي يحاول قلب الصورة
في السياق يؤدي الإعلام السعودي دورًا أساسيًا في حماية صورة النظام المجرم، عبر تقديم الضربات اليمنية باعتبارها اعتداءً منفصلًا عن سياق الحرب، وحذف مشهد العدوان والحصار من خلفية الأحداث، وعندما تقع أضرار داخل السعودية، يجري اختزال القصة في اتهام صنعاء، من دون عرض مسار المقذوف أو نوعه أو نتائج التحقيق الفني، هذه المعالجة لا تهدف إلى إخبار الجمهور بقدر ما تهدف إلى تعبئته، فإقحام المسجد في الرواية يمنح الاتهام شحنة دينية وعاطفية، ويهيئ الرأي العام لتقبل التصعيد، بينما تُدفن الحقيقة الأساسية: منظومة الدفاع الجوي أخفقت، والصاروخ الاعتراضي قد يكون هو الذي سقط على الموقع، لكن التلاعب الإعلامي لا يغير الوقائع، فالقنوات لا تستطيع إصلاح خلل الرادار، ولا إعادة الصاروخ الاعتراضي إلى مساره، ولا محو آثار السقوط من الأرض، وكلما غابت الأدلة الفنية، اتسعت الفجوة بين رواية السلطة وما يراه الناس في الميدان.
تداعيات عسكرية وسياسية
يكشف الحادث أن امتلاك صواريخ اعتراضية متطورة لا يساوي امتلاك دفاع جوي ناجح، فالنجاح يقاس بوقف التهديد وحماية المدنيين، لا بعدد الصواريخ التي تُطلقها البطاريات، كما أن تكرار الإخفاقات يستهلك ذخائر باهظة، ويكشف محدودية المنظومة أمام هجمات متزامنة أو مسارات معقدة، ويضعف ثقة السكان بقدرتها على حمايتهم، أما سياسيًا، يضع الحادث النظام السعودي أمام مأزق مزدوج: الاعتراف بفشل دفاعاته، أو الاستمرار في رواية اتهام لا يسندها تحقيق معلن. وفي الحالتين، تتضرر صورة الدولة التي أنفقت أموالًا ضخمة لتقديم نفسها قوة إقليمية قادرة على حماية حلفائها ومدنها، فيما صنعاء، فتؤكد إن عملياتها رد على العدوان والحصار، وإنها تميز بين المنشآت العسكرية والمدنيين، وبينما يرفع النظام السعودي شعار حماية المدنيين لتبرير حربه، تكشف الممارسة أن المدنيين اليمنيين كانوا أول ضحايا تلك الحرب، وأن المدنيين السعوديين باتوا مهددين أيضًا بفشل منظومة الدفاع التي تُستخدم لحماية النظام قبل حماية الناس.
ختاما
تكشف واقعة المسجد أكثر مما تخفي؛ فهي لا تفضح فقط فشل صاروخ اعتراضي سعودي، بل تفضح منظومة سياسية وإعلامية اعتادت الهروب من المسؤولية عبر اختلاق الاتهامات والتضليل الإعلامي الفج، فمنذ العدوان 2015، قُصفت المدن اليمنية وحوصرت مئات الآلاف من الأسر، ثم جاء النظام السعودي ليقدم نفسه ضحية كلما ارتدت إليه نتائج عدوانه، وبين خطابٍ سعودي يفتقر إلى الدليل ووقائعَ ميدانية تفرض نفسها، يبقى السؤال الأكثر إحراجًا للنظام: إذا كانت منظومتكم الدفاعية ناجحة، فلماذا سقط الصاروخ على المسجد؟ وإذا كنتم واثقين من روايتكم، فلماذا لا تقدمون الدليل؟
لقد سقط الصاروخ، وسقطت معه رواية جاهزة؛ وما بقي أمام النظام السعودي ليس اتهام صنعاء، بل مواجهة حقيقة فشله العسكري والإعلامي، ومسؤوليته عن حرب بدأت بالعدوان وانتهت بانكشاف العجز، وهنا تتحول الرواية من ورقة اتهام ضد صنعاء إلى شهادة على ارتباك النظام السعودي؛ منظومة تفشل في الاعتراض، وإعلام يفشل في الإقناع، وسلطة تحاول إنقاذ صورتها بتحميل الآخرين مسؤولية نتائج عدوانها.