أمن المنطقة لا يتحقق بالتحالفات.. صمود يمني يفرض معادلات جديدة
في خطوة تعكس استمرار النهج التصعيدي الذي انتهجه النظام السعودي طوال سنوات العدوان على اليمن، أعلن مؤخراً عن تشكيل تحالف بحري ودولي جديد، في محاولة لإعادة ترتيب أوراقه بعد سنوات من الإخفاقات العسكرية والسياسية، وعجزه عن تحقيق الأهداف التي أعلنها منذ بداية العدوان، ويأتي هذا التحرك في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات استراتيجية عميقة، فرضتها المتغيرات الميدانية وصعود معادلات ردع جديدة، كان للصمود اليمني الدور الأبرز في صياغتها، ويرى مراقبون أن الإعلان عن أي تحالف جديد لا يعكس حالة قوة أو تفوق، بقدر ما يعبر عن أزمة متفاقمة يعيشها النظام السعودي، الذي وجد نفسه بعد سنوات طويلة من الحرب أمام واقع ميداني وسياسي مختلف تماماً عما خطط له، بعدما فشلت العمليات العسكرية والحصار والضغوط الاقتصادية والإعلامية في كسر إرادة الشعب اليمني أو فرض شروط الاستسلام عليه.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
إعادة إنتاج الفشل
ليست هذه هي المرة الأولى التي يلجأ فيها النظام السعودي إلى تشكيل تحالفات متعددة الجنسيات تحت عناوين مختلفة، فمنذ انطلاق العدوان شهدت المنطقة سلسلة من التحالفات العسكرية والأمنية والبحرية، إلا أن جميعها اصطدم بالواقع اليمني، وانتهى إلى نتائج محدودة أو فشل كامل في تحقيق أهدافه،
وتشير التجارب السابقة إلى أن المشكلة لم تكن يوماً في عدد الدول المشاركة أو حجم الإنفاق العسكري، وإنما في طبيعة الحرب نفسها، حيث واجهت تلك التحالفات شعباً يمتلك إرادة الصمود، وقوات مسلحة استطاعت تطوير قدراتها الدفاعية والهجومية بصورة متسارعة، الأمر الذي غيّر موازين القوى تدريجياً.
رسائل سياسية أكثر منها عسكرية
ويرى محللون أن توقيت الإعلان عن التحالف الجديد يحمل أبعاداً سياسية أكثر من كونه تحولاً عسكرياً حقيقياً، إذ يسعى النظام السعودي إلى إظهار أنه لا يزال قادراً على حشد الدعم الدولي والإقليمي، في محاولة لترميم صورته بعد سنوات من التراجع، وإقناع الرأي العام الداخلي والخارجي بأن خياراته العسكرية لم تستنفد، غير أن هذه الرسائل تصطدم بواقع ميداني مختلف، حيث لم تعد التحالفات التقليدية قادرة على فرض معادلاتها كما كان يحدث في العقود الماضية، خصوصاً في ظل تطور قدرات الردع اليمنية واتساع دائرة تأثيرها في البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية.
الصمود اليمني غيّر قواعد الاشتباك
خلال سنوات المواجهة، استطاع اليمن أن ينتقل من مرحلة الدفاع عن النفس إلى مرحلة فرض معادلات ردع جديدة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الحسابات العسكرية والسياسية للقوى المنخرطة في الحرب، فقد أثبتت التجربة أن التفوق العسكري التقليدي لا يكفي لتحقيق الانتصار عندما يقابله صمود شعبي وإرادة سياسية مستقلة، وهو ما جعل كثيراً من الخطط العسكرية تفقد فعاليتها، وأدى إلى انتقال زمام المبادرة تدريجياً إلى الجانب اليمني في العديد من الملفات، وأصبحت معادلات الردع التي فرضها اليمن أحد أبرز العوامل المؤثرة في أمن البحر الأحمر وحركة الملاحة الإقليمية، بما يؤكد أن تجاهل الواقع الجديد أو محاولة تجاوزه عبر تشكيل تحالفات إضافية لن يؤدي إلى تغيير الحقائق القائمة على الأرض.
أمن المنطقة مسؤولية جماعية
ويرى متابعون أن الأمن الحقيقي في المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر الأحلاف العسكرية أو عسكرة البحار، وإنما من خلال معالجة جذور الأزمات، واحترام سيادة الدول، ووقف التدخلات الخارجية، واعتماد الحوار كخيار رئيسي لحل النزاعات، فالتحالفات العسكرية أثبتت خلال السنوات الماضية أنها لم تحقق الاستقرار المنشود، بل أسهمت في تعقيد المشهد الإقليمي، وتوسيع رقعة التوتر، وخلق أزمات إنسانية وسياسية امتدت آثارها إلى ما هو أبعد من حدود اليمن.
تحالفات تتغير .. واليمن باقٍ
ورغم تغير أسماء التحالفات والشعارات التي ترفعها، إلا أن جوهر السياسات لم يتغير، إذ ما تزال تقوم على منطق القوة والضغط العسكري، وهو منطق أثبت فشله مراراً أمام شعب تمكن من الصمود في أصعب الظروف، ونجح في الحفاظ على قراره الوطني رغم حجم التحديات، ويؤكد مراقبون أن أي تحالف جديد سيواجه التعقيدات نفسها التي واجهت سابقاته، لأن المشكلة ليست في الأدوات المستخدمة، وإنما في تجاهل الأسباب الحقيقية للأزمة، وفي الاعتقاد بإمكانية فرض حلول عسكرية على واقع أثبت استحالة إخضاعه بالقوة.
معادلات جديدة تفرض نفسها
أفرزت السنوات الماضية واقعاً استراتيجياً مختلفاً في المنطقة، أصبحت فيه معادلات الردع والتوازن أكثر حضوراً من معادلات الهيمنة التقليدية، وأثبت اليمن أن امتلاك الإرادة والقدرة على الصمود يمكن أن يعيد رسم المشهد الإقليمي، ويغير حسابات القوى الكبرى والإقليمية، ولذلك، فإن أي محاولة للعودة إلى سياسة التحالفات العسكرية بوصفها الحل الوحيد تبدو بعيدة عن قراءة الواقع، لأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها أن الأمن لا يُفرض بالقوة، ولا يُبنى بالحشود العسكرية، وإنما يتحقق عبر العدالة واحترام السيادة وإنهاء أسباب الصراع.
ختاما ..
تكشف الخطوة السعودية الأخيرة عن استمرار الرهان على الخيارات التي أثبتت السنوات الماضية محدودية نتائجها، في وقت تؤكد فيه الوقائع الميدانية والسياسية أن اليمن أصبح رقماً صعباً في معادلات المنطقة، وأن أمن الإقليم لن يتحقق عبر التحالفات العسكرية المتجددة، بل عبر معالجة جذور الأزمات، واحترام إرادة الشعوب، والانتقال من منطق المواجهة إلى منطق الحوار والسلام، وبينما تتغير التحالفات وتتبدل أسماؤها، تبقى الحقيقة الأبرز أن صمود اليمن أعاد صياغة كثير من المعادلات، ورسّخ واقعاً جديداً يصعب تجاوزه أو الالتفاف عليه