قُدُومُ أَهْلِ الْيَمَن إِلَى الْمَدِيْنَة الْمُنَوَّرَة تلبيةً لِدَاعِي الْجِهَاد فِي سَبِيلِ اللهِ وَمُشَارَكَتُهُمْ فِي الْفُتُوْحَاتِ.
القَرْن الأَوَّل الهِجْرِيّ / السَّابِع المِيْلَادِيّ، سنة 12 هجرية / 633م.
كان لأهل اليمن حضورٌ بارز في صدر الإسلام، فقد عُرفوا بسرعة استجابتهم للدعوة الإسلامية، وثباتهم على الإسلام، ومشاركتهم الفاعلة في بناء الدولة الإسلامية النَّاشِئَة، وبعد وفاة الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ- سنة 11هـ/632م، وقيام خلافة أبي بكر الصديق، كان اليمنيون من أوائل الشعوب التي لبّت نداء الجهاد، فانطلقوا من موطنهم البعيد نحو المدينة المنورة للانضمام إلى جيوش المسلمين، والمشاركة في الفتوحات التي نقلت راية الإسلام خارج الجزيرة العربية.
يمانيون / صالح مقبل فارع.
– دعوة أبي بكر لأهل اليمن للجهاد:
بعد أن استقرت خلافة أبي بكر، ونجحت الدولة الإسلامية في مواجهة حركات الردة، توجهت أنظار المسلمين إلى نشر الإسلام خارج الجزيرة العربية، وفتح المناطق التي كانت لا تزال على الوثنية أو تخضع لنفوذ الإمبراطوريتين العظميين في ذلك العصر: الفرس والروم.
وفي سنة 12هـ/633م بعث أبوبكر رسائل إلى قبائل العرب، ومن بينها قبائل اليمن، يدعوهم فيها إلى القدوم إلى المدينة المنورة والمشاركة في الجهاد في سبيل الله، ونصرة الدين، والانضمام إلى جيوش المسلمين المتجهة إلى ميادين الفتح.
فلما وصلت دعوة الخليفة إلى أهل اليمن، استجابوا لها استجابة واسعة، وتحركت جموع كبيرة منهم نحو المدينة المنورة، تاركين ديارهم وأموالهم وأهليهم، حاملين معهم أبناءهم وخدمهم، رغبةً في المشاركة في نصرة الإسلام والجهاد تحت راية الخلافة.
– قدوم جموع اليمنيين إلى المدينة المنورة:
تقدّم الوفود اليمنية أنس بن مالك، الذي كان رسول أبي بكر إليهم وحامل كتابه، فلما وصل إلى المدينة بشّر الخليفة بقدوم أهل اليمن، وقال له: “أتاك أبطال اليمن، شعثًا غبرًا، معهم الخدم والذراري وَالأَمْوَال“.
فَسُرَّ أبو بكر بهذا الخبر، لما رأى من صدق إيمان أهل اليمن واستجابتهم لدعوة الجهاد.
وفي اليوم التالي ظهرت غبرة القوم من كثرة عددهم، فخرج أبو بكر ومعه أهل المدينة لاستقبالهم، وقد رفعت الرايات، وأشرقت الكتائب، وتتابعت مواكب اليمنيين حتى امتلأت بهم أطراف المدينة، وسد الآفاق من كثرتهم، وكان مشهد قدومهم من أعظم مشاهد الوفود التي شهدتها المدينة بعد وفاة الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ وَسَلَّمَ-.
– القبائل اليمنية المشاركة:
وصلت قبائل اليمن تباعًا، وكانت أول القبائل التي ظهرت قبيلة حِمْيَرٍ، وكانوا في كامل عُدَّتهم، عليهم الزرد والدروع، ويحملون القسي العربية، ويتقدمهم ذو الكِلاع الحِمْيَريّ، أحد كبار قادة اليمن في صدر الإسلام.
ثم جاءت قبائل مَذْحِج، وكان في مقدمتهم: قيس بن هبيرة الشيباني([1]).
ثم تتابعت بقية القبائل اليمنية، حتى اكتملت جموعهم حول المدينة المنورة، وكانوا بالآلاف، يمثلون مختلف بطون اليمن وقبائله.
– مشاركة اليمنيين في الفتوحات الإسلامية:
بعد اجتماع جموع اليمنيين في المدينة، جهزهم أبو بكر، وألحقهم بجيوش المسلمين المتوجهة إلى بلاد الشام لقتال الروم، وجعلهم ضمن جيش خالد بن الْوَلِيْد؛ فشارك اليمنيون في المعارك الكبرى التي خاضها المسلمون ضد الروم، وأظهروا شجاعة وبسالة في ميادين القتال، وكان لهم نصيب كبير من أعمال الجهاد والفتح.
وقد شاركوا في الفتوحات التي بدأت في عهد أبي بكر، ثم توسعت في خلافة عمر بن الخطاب، حيث ساهموا في فتح بلاد الشام والعراق وفارس، وكان منهم القادة والفرسان والشهداء الذين تركوا أثرًا بارزًا في تاريخ الإسلام.
– أثر اليمنيين في قيام الدولة الإسلامية:
لم تكن مشاركة أهل اليمن مجرد مشاركة عسكرية، بل كانت تعبيرًا عن اندماج اليمنيين في الدولة الإسلامية الجديدة، وإسهامهم في نشر الإسلام خارج الجزيرة العربية.
فقد حملوا راية الإسلام إلى مختلف الأمصار، وشاركوا في تأسيس المجتمعات الإسلامية في المناطق المفتوحة، كما كان لكثير منهم دور في الإدارة والعلم والقضاء والقيادة العسكرية في العصور الإسلامية اللاحقة، وَقَدْ تأثرت بِهِمْ بلدان وَكَانُوْا سببًا فِيْ إسلامها كإندونيسيا، وماليزيا، وسنغافورة، وغيرها من مَنَاطِق الشَّرْق الآسيوي.
– خاتمة:
يمثل قدوم أهل اليمن إلى المدينة المنورة في عهد أبي بكر صفحة مشرقة من تاريخ اليمن الإسلامي، فقد لبّوا نداء الجهاد، وتركوا أوطانهم، وانضموا إلى جيوش الفتح، فكانوا من أهم القوى البشرية التي أسهمت في توسع الدولة الإسلامية في القرن الأول الهجري.
وقد حفظ التاريخ لليمنيين مكانتهم بين القبائل العربية التي حملت رسالة الإسلام، فكانوا شركاء في صناعة الفتوحات الإسلامية، وفرسانًا في ميادين الجهاد، وأنصارًا لدولة الإسلام في بداياتها الأولى.
– الهوامش:
([1]) غَايَة الأَمَانِيِّ صـ80.
– المصادر:
– غَايَةُ الأَمَانِيِّ فِيْ أَخْبَارِ القُطْرِ اليَمَانِيّ [ملخص أنباء الزمن]، تأليف العلامة المؤرخ: يحيى بن الحسين بن القاسم بن محمد بن علي، تحقيق وتقديم: د. سعيد عَبْدالفَتَّاحِ عاشور، مراجعة: د. محمد مصطفى زيادة، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، مصر، 1388هـ – 1968م، منتدى سور الأزبكية، ص80.
* * *