الارتباط بالله وبناء الإنسان.. مفتاح الحسم في مواجهة التحديات
يطرح الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه في الدرس الرابع والعشرين من دروس رمضان رؤية متكاملة لطبيعة الصراع بين الحق والباطل، تجعل الارتباط بالله تعالى، والثقة بوعده، وإصلاح النفس، وبناء الوعي، والاستجابة العملية للهداية القرآنية عناصر مترابطة في صناعة الموقف والثبات ومواجهة التحديات، ولا يتعامل الدرس مع الصراع باعتباره مواجهة خارجية محضة، أو مجرد صراع بين إمكانات مادية متباينة، بل يعيد توجيه الانتباه إلى العامل الداخلي في الإنسان والمجتمع، مؤكداً أن الخلل قد يبدأ من ضعف الإيمان والوعي والاستجابة، وليس من قوة العدو وحدها، ويعبّر عن ذلك بوضوح حين يقول «لا يأتي الخلل إلا من جهتكم أنتم»، في إشارة إلى أن مواجهة التحديات تبدأ بإصلاح الذات قبل البحث عن أسباب الضعف في الخارج.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
القوة تبدأ من الداخل
تقوم الفكرة المركزية في الدرس على أن العدو، مهما امتلك من أدوات وقدرات، لا ينبغي أن يتحول إلى تفسير دائم لحالة الضعف أو العجز؛ فالمشكلة الأساسية، وفق الرؤية المطروحة، تكمن في مدى قدرة الإنسان على بناء نفسه إيمانياً ووعياً وسلوكاً، ولهذا يؤكد أن «موضوع العدو محسوم، موضوع التأييد الإلهي محسوم، فقط الإشكالية هي أين؟ عندكم، في أنفسكم أنتم»، وهذه الرؤية تنقل مركز الاهتمام من سؤال، ما الذي يملكه الخصم؟ إلى سؤال أكثر عمقاً، ما الذي نملكه نحن من إيمان ووعي وثقة واستعداد واستجابة؟
فالارتباط بالله هنا ليس حالة نفسية مجردة، ولا دعوة إلى انتظار النتائج دون عمل، وإنما هو أساس لبناء الإنسان القادر على الثبات والحركة وتحمل المسؤولية.
نقطة الانطلاق
يضع الدرس إصلاح النفس في قلب عملية التغيير، داعياً إلى مراجعة الذات وبنائها على أساس الهداية، بقوله: «عليكم أنفسكم، صلحوها، اهدوها، حاولوا أن تبنوها على هذا النحو»، وتحمل هذه الدعوة بعداً يتجاوز الفرد إلى المجتمع؛ فالوعي الضعيف ينتج استجابة ضعيفة، والاستجابة الضعيفة تجعل المجتمع أكثر عرضة للخوف والاضطراب والتأثر بالضغوط، بينما يؤدي بناء الإنسان إلى تعزيز قدرته على مواجهة التحديات بوعي وثبات،
ومن هنا يصبح إصلاح النفس مدخلاً لإصلاح الواقع، وليس شأناً فردياً منعزلاً.
القرآن الكريم .. مشروع متكامل للحياة
من أبرز مضامين الدرس رفض التعامل مع القرآن بصورة مجزأة؛ فلا تُفهم السور والأحكام باعتبارها موضوعات منفصلة، وإنما ضمن منظومة هداية متكاملة، ويقول الشهيد القائد، «القرآن كله يصب في موضوع واحد هو النفس البشرية، هو هذه الحياة»، وهذه الرؤية تجعل القرآن منهجاً لإعادة بناء الإنسان وتحديد موقعه من الحياة، وليس مجرد مجموعة من الأحكام أو المعلومات المنفصلة، حتى الأحكام التشريعية، كما يوضح، تأتي ضمن القضايا الكبرى، ومتشابكة مع مفاهيم الإيمان والعدل والإصلاح والمسؤولية؛ بما يؤكد أن الهداية القرآنية تستهدف بناء الإنسان القادر على إقامة القسط والإصلاح في الأرض.
من المعرفة إلى الحركة
لا يكتفي الدرس بالدعوة إلى معرفة هدى الله، بل يركز على تحويل المعرفة إلى منهج للحركة،
فالهداية، تأتي «بتبيين» وتأتي كذلك «في إعطاء منهج»؛ أي أنها لا تقدم للإنسان ماذا يعرف فقط، وإنما كيف يتحرك بناءً على ما عرف، وهنا تتضح العلاقة بين الإيمان والعمل، فالإيمان الذي لا ينتج وعياً واستجابة ومسؤولية يظل ناقص الأثر، والمعرفة التي لا تتحول إلى موقف وسلوك لا تحقق غايتها العملية.
مواجهة العدو.. وعي بالواقع ومسؤولية تجاهه
يناقش الدرس كذلك سلوك أهل الكتاب، ويربط بين ما ورد في القرآن عنهم وبين ما يراه من ممارسات في مجالات السياسة والاقتصاد والإعلام والتخطيط والحركة، لكن القيمة الأساسية في هذه القراءة لا تكمن في مجرد تشخيص الخصم، وإنما في التأكيد على ضرورة الانتقال من معرفة الخطر إلى تحمل المسؤولية تجاهه، فالوعي بالخطر، في منطق الدرس، لا ينبغي أن يقود إلى الخوف أو الاستسلام، بل إلى التفكير في كيفية دفع الشر ومواجهته وفق الهداية والمنهج.
الرؤية الشاملة
في المحصلة، يقدم الدرس رؤية مترابطة تبدأ من الله، وتمر بالإنسان، وتنتهي إلى المجتمع والحياة، ارتباط بالله وإصلاح للنفس ووعي بالقرآن واستجابة عملية ومسؤولية وإصلاح والنتيجة ثبات في مواجهة التحديات، وهنا تكمن الدلالة الأبرز للدرس، أن الصراع لا يُحسم فقط بما يمتلكه الخصم من قوة، وإنما أيضاً بما يمتلكه الطرف المقابل من إيمان ووعي وإرادة واستجابة، فالقرآن، في هذه الرؤية، ليس منفصلاً عن الواقع؛ والإيمان ليس بعيداً عن المسؤولية؛ وإصلاح النفس ليس منفصلاً عن إصلاح المجتمع؛ ومواجهة العدو ليست بديلاً عن بناء الإنسان، وبذلك تتحول القضية من مجرد انتظار تغير الظروف إلى إعادة بناء الإنسان القادر على التعامل مع الظروف، والثابت أمام التحديات، والمتحرك وفق هداية الله ومنهجه في الإصلاح وإقامة القسط.