في ذكرى عروج سيد شهداء الأمة.. البعض يشارك بإعادة اغتياله

يمانيون| بقلم: رسول حسين أبو السبح

في ذكرى عروج سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله، لا تبدو استعادة كلماته مجرد فعل من أفعال الوفاء للذاكرة، بقدر ما تبدو اختبارا حقيقيا لمعنى الانتماء إلى الخط الذي آمن به، وللمسؤولية التي لطالما تحدث عنها أمام جمهوره، فثمة كلمات لا تستعاد لتعلق على الجدران، وإنما لتوضع أمام الواقع، وتختبر بها المواقف.

وفي الليلة الثالثة من المجلس العاشورائي المركزي، في محرم 1442هـ، طرح السيد حسن نصر الله سؤالا يتجاوز الجغرافيا والسياسة إلى أصل المسؤولية الإنسانية، قائلا: “هل يستطيع أن يدعي أحد أن وجودنا داخل حدود جغرافية معينة يسقط عنا المهام والمسؤوليات تجاه الآخرين؟.. إن الحدود الجغرافية لا تسقط المسؤولية.. لا حدود اللون والعنصر واللغة والجغرافيا والانتماء الديني تسقط الكثير من المسؤوليات علينا تجاه الناس الآخرين”.

كانت الفكرة واضحة، الإنسان لا يستطيع أن يجعل من الحدود الجغرافية حدا أخلاقيا لمسؤوليته تجاه المظلومين، وقد ورد هذا المعنى في تغطيات حديثه آنذاك، مقرونا بتأكيده أن الواجب لا يتوقف عند حدود بلد أو جماعة.

وهُنا، بعد سنوات، يبرز سؤال لا ينبغي الهروب منه:ماذا تعني هذه الكلمات اليوم لمن يرفع شعار الانتماء إلى هذا الخط، ثم يرى المأساة تتسع أمامه في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن وسائر المناطق التي يعيش فيها المستضعفون، ثم يختار الصمت أو الوقوف على الحياد؟

المسألة هنا ليست في تحديد موقف سياسي بعينه، ولا في تحويل ذكرى السيد إلى مناسبة لتبادل الاتهامات، وإنما في اختبار معنى الكلمات عندما تتحول من خطاب إلى مسؤولية؛ فالذين يختصرون إرث السيد حسن نصر الله في صوره وخطاباته وشعاراته، قد يفوتهم جوهر أكثر صعوبة، أن الأفكار التي آمن بها تضع صاحبها أمام مسؤوليات، لا أمام امتيازات رمزية.

وإذا كان السيد قد رفض أن تكون الجغرافيا عذرا لإسقاط المسؤولية، فإن السؤال اليوم يصبح أكثر إلحاحا، هل يمكن لمن يعلن انتماءه إلى هذا النهج أن يجعل الجغرافيا حجابا بينه وبين آلام الآخرين؟

غزة ليست مجرد مساحة على الخريطة، ولبنان ليس خبرًا عابرًا، ومعاناة المدنيين في سوريا من الشيعة والعلويين وبعض أبناء السنة الذين اختار النظام المتطرف القصاص منهم لمواقف سابقة، هذه الانتهاكات في أي مكان لا تصبح أقل أهمية لأن أصحابها ينتمون إلى جغرافيا أخرى.

ومن هنا تأتي خطورة الحياد حين يتحول من موقف مؤقت إلى ثقافة، حين يصبح الإنسان قادرًا على رؤية الألم، ومعرفة الظلم، ومتابعة المأساة، ثم يقنع نفسه بأن الأمر لا يعنيه لأنه خارج حدوده، أو لأنه مشغول بمأساة أخرى.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للخطاب الذي تركه السيد حسن نصر الله ليس أن يختلف الناس حوله، بل أن يتحول إلى عبارات محفوظة منفصلة عن السلوك، أن نتحدث عن نصرة المستضعفين، ثم نضع لأنفسنا استثناءات عندما يحين وقت الموقف، أن نستعيد خطاب المسؤولية، ثم نبحث عن مبررات للابتعاد عنها.

ولهذا فإن ذكرى السيد ليست مناسبة لاستحضار شخصه فقط، بل لاستحضار المعيار الذي تحدث به؛ فحين يقول إن “الحدود الجغرافية لا تسقط المسؤولية”؛ فإن العبارة تضع أمام كل من يستشهد بها سؤالا أخلاقيا واضحا، أين تقف مسؤوليتك عندما ترى مظلوما؟

ولا يعني ذلك أن المسؤولية الإنسانية تساوي بالضرورة التدخل العسكري أو اتخاذ موقف سياسي واحد، فمظاهر النصرة متعددة، تبدأ من الموقف الأخلاقي، والكلمة، والتوثيق، والإغاثة، والوعي، والدفاع عن المدنيين، ومواجهة اللامبالاة، وتتخذ صورا مختلفة بحسب القدرة والظرف والقانون.

لكن الثابت أن اللامبالاة ليست هي النصرة، والصمت لا ينبغي أن يتحول إلى هوية.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم العبارة القاسية التي تقول إن بعض من يدعي الانتماء إلى هذا الخط قد يشارك، من حيث لا يشعر، في “إعادة اغتيال” السيد، لا بمعنى الاغتيال المادي، وإنما بمعنى إفراغ إرثه الفكري من مضمونه، وتحويل كلماته إلى ذكرى بلا أثر، ومبادئه إلى شعارات لا تصمد أمام اختبار الواقع.

فالموت الأول يغيب الإنسان عن المشهد، أما الموت الثاني فيصيب المعنى الذي تركه وراءه، والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحا في ذكرى عروج السيد حسن نصر الله ليس، ماذا نقول عنه؟

بل، ماذا فعلت كلماته فينا؟، هل جعلتنا أكثر حساسية تجاه آلام المستضعفين؟، هل جعلتنا نرى الإنسان قبل الحدود؟، هل جعلتنا نرفض أن تكون الجغرافيا ذريعة للامبالاة؟، وهل نستطيع، حين نرفع اسمه ونستعيد خطابه، أن نتحمل شيئا من المسؤولية التي تحدث عنها؟

ربما يكون هذا هو الوفاء الحقيقي للذاكرة، ألا نحول الرجل إلى صورة، ولا خطابه إلى أرشيف، ولا كلماته إلى شعارات موسمية، بل أن نضعها أمام ضميرنا، ونترك للواقع أن يجيب؛ فالشهادة لا تكتمل بالذكرى وحدها، وما يبقى من الشهيد ليس اسمه فقط، وإنما الفكرة التي حملها، والمسؤولية التي تركها أمانة في أعناق من جاءوا بعده.

*كاتب لبناني

You might also like