غزة مأساة مستمرة… واليمن أمام المشهد نفسه
يمانيون| بقلم. د أحمد الرباعي
في السادس من نوفمبر 2026م، اهتزّ سوق الحضارة الشعبي في مديرية الوازعية بمحافظة تعز على وقع ثلاث غارات جوية شنّها الطيران السعودي، مخلفةً، وفق بيانات وزارة الصحة والبيئة في صنعاء، حصيلة أولية بلغت 30 قتيلاً و8 جرحى على الأقل.
لم يكن ذلك حدثاً معزولاً في سياق العدوان الطويل على اليمن، بل حلقة جديدة في سلسلة استهدافات النظام السعودي التي طالت الأسواق والتجمعات المدنية خلال الشهرين الماضيين؛ من سوق ذوباب وسوق المخا، إلى سوق الحزم في الجوف ومفرق ماوية، وصولاً إلى سوق الوازعية.
قبل ذلك بساعات، استهدف الطيران السعودي منزل الشيخ منصور سنان في البرح بمديرية مقبنة في محافظة تعز، مخلفاً، وفق ما أُعلن، 7 شهداء، بينهم طفلان ونساء، والأب والأم، إضافة إلى إصابة 6 أطفال آخرين، و لم يكن المنزل هدفاً عسكرياً في حياة ساكنيه؛ كان بيت أسرة تعيش تفاصيل يومها المعتادة، قبل أن تتحول لحظات الأمان فيه إلى مأساة انتهت باستشهاد أفراد العائلة، وإصابة أطفال آخرين.
واليوم يرتكب العدو السعودي جريمة هي الأبشع عندما استهدف منازل المواطنين في منطقة “الشرية” بمديرية بني حشيش بمحافظة صنعاء، ما أدى إلى تدمير تلك المنازل وارتقاء أكثر من 25 شهيداً وعشرات الجرحى.
إن هذه الوقائع لا تختصرها أرقام الضحايا، مهما بلغت فداحتها؛ فالمسألة أبعد من 30 شهيداً في سوق الوازعية أو 14 شهيداً في سوق الحزم، أو استشهاد كامل أفراد أسرة في منزل، فنحن أمام عائلات تُمحى، وروابط أسرية تنتهي، وحياة اجتماعية تُنتزع من المجتمع دفعة واحدة.
طفل كان برفقة أسرته في السوق، وأم خرجت لشراء احتياجات منزلها، وأب كان يسعى لتأمين لقمة العيش، وأطفال كانوا يلعبون في فناء منزلهم، تتحول حياتهم جميعاً إلى أسماء في قوائم الضحايا، بينما يبقى من نجا منهم مثقلاً بفقد لا تعوّضه البيانات ولا الأرقام، وعندما تتكرر هذه الجرائم في الأماكن المدنية، يصبح من الواجب طرح أسئلة جدية حول طبيعة الأهداف، وآليات اختيارها، ومدى الالتزام بمبادئ القانون الدولي الإنساني.
ولأن معركة اليمن امتداد لمعركة غزة، ونهج الإجرام هو ذاته، وأشخاص الجريمة وغرف عملياتهم واحدة، وأداة القتل هناك هي نفسها السلاح الذي يقتلنا هنا، فإن المقارنة مع ما حصل في غزة ليست توظيفاً لمأساة شعب في وصف مأساة شعب آخر؛ إنها مقارنة تفرضها معركة واحدة ووقائع متطابقة ونتائج إنسانية متقاربة، ففي غزة، وثّقت التقارير والمشاهد المصورة تدمير منازل على ساكنيها، وسقوط عائلات بأكملها، وانتشال الضحايا من تحت الأنقاض، حتى أصبح محو عائلات فلسطينية من السجلات المدنية أحد أكثر التعبيرات إيلاماً عن حجم الكارثة وأبرز شاهد على الإبادة الجماعية.
في اليمن، تتكرر جرائم الإبادة الإنسانية ذاتها: غارات تستهدف أسواقاً شعبية مكتظة بالمدنيين، ومنازل تُدمّر فوق رؤوس ساكنيها، ومدارس وجامعات ومعاهد تم تسويتها بالأرض. والنتيجة ليست مجرد أضرار مادية أو «خسائر جانبية» يمكن تجاوزها في البيانات العسكرية، بل أرواح تُزهق، وأسر تُمحى، وأطفال أصبحوا يتامى، ومعاقون تركت جروحهم آثاراً إنسانية واجتماعية عميقة.
ولهذا، فإننا نتوجه بطلبنا إلى أحرار العالم، أفراداً ومؤسسات ومنظمات حقوقية وقفوا جنباً إلى جنب مع اليمنيين الأحرار لمساندة غزة ونصرة أهلها، بأن يقوموا بواجبهم الإنساني تجاه الإبادة الجماعية التي يرتكبها العدوان السعودي، وألا تصبح جرائم الإبادة في اليمن أقل استحقاقاً للتغطية والتحقيق والمساءلة؛ فدماء اليمنيين ليست أقل حرمة، وأسرهم ليست أقل قيمة، ومجازرهم ليست أقل استحقاقاً للإدانة من أي جريمة أخرى. وليس المطلوب أن يقل الاهتمام بضحايا ومآسي أهلنا في غزة العزة، بل أن يتسع ليشمل ضحايا اليمن أيضاً. إنهم أهل الصدق، اليمنيون الأبرياء البسطاء الذين خرجوا إلى أسواقهم، أو بقوا في منازلهم، أو احتموا بمدارسهم ومراكز إيوائهم بعد أن فقدوا بيوتهم، لا ذنب لهم سوى أنهم يريدون أن يعيشوا بحرية وكرامة في بلدهم الذي دمرته أموال دول النفط من جيرانهم المترفين، ذلك المال الذي جعل هذا العالم يترك مآسي شعبنا تتلاشى في نشرات الأخبار اليومية منذ العام 2015م، وكأن ضحايانا لا يستحقون أن يُسمع صوتهم أو تُروى حكاياتهم.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه المجتمع اليمني، بعد سنوات طويلة من العدوان والحصار، ليس فقدان أبنائه فحسب، بل أن يشعر بأن أحرار العالم اعتادوا فقدانهم، وأن أسماءهم لم تعد تستحق أن تُروى حكاياتها، وأن مآسيهم لم تعد كافية لإثارة الغضب أو تحريك الضمير الإنساني.