الهوية الإيمانية في مرمى الاستهداف؟ الحرب التي لا تُسمع فيها الانفجارات.. لكنها تعيد تشكيل العقول
هناك حروب تُخاض بالمدافع، وحروب أخطر منها تُخاض بالشاشات، الأولى تهدم بيتاً، أما الثانية فقد تهدم الفكرة التي بُني عليها البيت، الأولى تقتل جسداً، أما الثانية فتستهدف الوعي الذي يصنع الإنسان ويحدد خياراته ومستقبله، إنها الحرب الناعمة؛ حرب لا تعلن عن نفسها، ولا ترتدي بالضرورة زياً عسكرياً، بل تتسلل إلى العقول عبر مسلسل، وإعلان، ومنهج، ومنصة رقمية، ومصطلح يبدو بريئاً، ثم تعيد مع الوقت تعريف الدين والأسرة والحرية والجمال والنجاح،
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً، هل الهوية الإسلامية مجرد ضحية لتغيرات العصر، أم أنها تواجه ضغوطاً متراكمة تدفع باتجاه إعادة تشكيلها؟ ، ليس من المنهج أن نرى مؤامرة خلف كل فيلم أو منظمة أو برنامج، لكن من السذاجة أيضاً أن نتجاهل حقيقة الصراع على النفوذ الثقافي، وأن نتصور أن الأفكار تتحرك في العالم بلا مصالح ولا تأثير ولا مراكز قوة.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
لماذا الهوية الإسلامية تحديداً؟
لأن الإسلام ليس طقساً معزولاً عن الحياة، إنه عقيدة وأخلاق وشريعة وأسرة ومجتمع وثقافة؛ منظومة تقدم تصوراً متكاملاً للإنسان والوجود والواجب والمسؤولية، ولهذا فإن تغيير علاقة الإنسان بدينه لا يحتاج دائماً إلى دفعه نحو إعلان الكفر أو ترك الصلاة، يكفي أن يُدفع تدريجياً إلى الاعتقاد بأن الدين مكانه المسجد فقط، وأن الأخلاق شأن شخصي، وأن الأسرة مجرد عقد قابل للتفكيك، وأن كل قيد ديني تخلف، وكل رغبة شخصية حق مطلق، هنا تبدأ إعادة صياغة الإنسان من الداخل.
المعركة على الوعي
أخطر ما تفعله القوة الناعمة أنها لا تطلب منك أن تتغير دفعة واحدة، إنها تكرر الصورة نفسها حتى تصبح مألوفة، وتكرر الفكرة حتى تبدو بديهية، وتكرر النموذج حتى يبدو وكأنه الطريق الوحيد للحياة، امرأة محافظة تُصور باستمرار باعتبارها مقهورة، والحجاب باعتباره قيداً، والأسرة باعتبارها سجناً، والتدين باعتباره عائقاً أمام الحرية، بينما تُقدَّم الفردانية والتمرد على الأسرة والانفصال عن المرجعية الدينية باعتبارها علامات للتحرر، ليست المشكلة في عمل فني واحد؛ المشكلة في تراكم الرسائل حتى يتغير معيار الإنسان نفسه للحكم على الأشياء.
المناهج.. لا تتركوا ذاكرة الأجيال للصدفة
المعركة لا تدور في الشاشات وحدها،
إنها تدخل الفصل الدراسي أيضاً، فالذي يكتب التاريخ لا يقدم معلومات فقط؛ بل يصنع ذاكرة جيلاً، ومن يحدد ما يتعلمه الطفل عن دينه ولغته وتاريخه وحضارته، يشارك في تحديد صورته عن نفسه، وفي اليمن، لا يمكن التعامل مع التاريخ الإسلامي والعربي باعتباره هامشاً يمكن تقليصه بلا أثر، لكن مواجهة أي تغيير في المناهج يجب أن تكون بالوثيقة والمقارنة والتحقيق، لأن الدفاع الحقيقي عن التاريخ لا يكون بتقديس الرواية، وإنما بإثباتها خصوصا مع كم الموروث الهائل والخطير من التجهيل ودس السم في المناهج في عهد الأنظمة السابقة.
الأسرة.. آخر خطوط الدفاع
إذا سقطت الأسرة، سقطت أول مدرسة للهوية،
وهنا ينبغي أن نكون أكثر يقظة تجاه أي خطاب أو مشروع يتعامل مع الأسرة بوصفها مجرد علاقة فردية قابلة لإعادة التعريف بلا حدود، نعم، للمرأة حقوق، ونعم، يجب مكافحة العنف والظلم والتمييز، لكن حماية الحقوق لا تعني تلقائياً استيراد نموذج اجتماعي كامل، ولا تعني أن كل ما يأتي تحت عناوين «التمكين» و«النوع الاجتماعي» يجب قبوله دون سؤال أو نقاش،
السؤال ليس هل نريد مجتمعاً عادلاً؛ بل من يعرّف لنا العدل؟ وعلى أي مرجعية؟ وبأي ثمن اجتماعي؟
الهدف الأخطر .. إسلام بلا أثر
ربما لا يحتاج استهداف الهوية إلى اقتلاع الدين من قلوب الناس، يكفي أن يتحول الإسلام إلى طقوس فردية منفصلة عن الحياة، أن يصلي الإنسان، ثم يستمد مفهوم الأسرة من الشاشة، ومفهوم النجاح من الإعلان، ومفهوم الحرية من المؤثر، ومفهوم الجمال من صناعة الموضة، ومفهوم الأخلاق من خوارزمية المنصة، عندها يبقى الاسم، لكن يتراجع الأثر، يبقى الدين في المسجد، بينما تُدار بقية الحياة بمرجعيات أخرى، وهنا تحديداً ينبغي أن ننتبه.
لا تكونوا متفرجين
أخطر ما في الحرب الناعمة أن الإنسان قد يدافع عن الفكرة التي أثرت فيه، وهو يعتقد أنه يدافع عن استقلاله، ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست مع شاشة ولا فيلم ولا منصة بعينها، إنها مع الاستسلام الفكري، ولا يمكن مواجهة ذلك بالصراخ وحده، ولا بالمنع وحده، ولا بتخويف الشباب من العالم، المطلوب أقوى من ذلك، أن نبني أسرة تعرف كيف تحاور أبناءها، ومدرسة تحترم عقل الطالب، ومناهج تحفظ التاريخ بالعلم، وإعلاماً ينافس، ودراما تصنع القدوة، وخطاباً دينياً يفهم أسئلة الجيل، وشباباً يعرفون كيف يميزون بين المعرفة والدعاية.
لا تتركوا عقول أبنائكم للعدو
لا تتركوا تعريف الأسرة للشاشة، ولا تتركوا تعريف الحرية للخوارزمية، ولا تتركوا تاريخكم لمن يكتبه نيابة عنكم، ولا تتعاملوا مع الهوية باعتبارها شيئاً مضموناً إلى الأبد؛ فالهوية التي لا تُروى للأبناء، ولا تُشرح لهم، ولا تتحول إلى معرفة وسلوك وإبداع، ستتراجع أمام هوية أخرى أكثر حضوراً في حياتهم، المعركة إذن ليست معركة خوف من العالم، بل معركة امتلاك الوعي، ومن أراد أن يحمي هويته، فعليه أن ينتقل من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل يقرأ، ويتحقق، وينتج، ويناقش، ويبني، ففي عصر أصبحت فيه الشاشة أقرب إلى الطفل من الكتاب، وأقرب إلى الشاب من المنبر، فإن السؤال لم يعد من سيحاول التأثير في أبنائنا؟ بل
من سيصل إلى عقولهم أولاً؟
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية.
السيد القائد يحذر الأمة من مخاطر الحرب الناعمة
_ جزء كبير من الحرب الناعمة يأتي عبر الإعلام للتأثير على الأفكار والرأي العام والولاءات والعداوات أو فيما يتجه نحو مساعي التمييع والإفساد الأخلاقي
_ الأعداء من خلال الحرب الناعمة يستهدفون علاقة الأمة بهدى الله ودينه وألا يبقى لها علاقة تشكل وقاية لها من ضلال الأعداء
_ حروب الأعداء ومفاسدهم هي في إطار السعي لشقاء الأمة وخسرانها
_ الإنسان يحتاج إلى رعاية تربوية لما يواجهه من مؤثرات، وفي هذا العصر نواجه أكبر حرب مضلة منذ وجود المجتمع البشري
_ الأعداء يسعون إلى تجريد الإنسان من محتواه الإنساني بحيث لا يبقى لديه شعور إنساني وهذا لم يسبق إليه عصر من العصور