نكف القبائل اليمنية .. رسالة قوة وسيادة

النكف القبلي في اليمن ليس مجرد تجمع للرجال، ولا صورة عابرة لاستعراض القوة؛ إنه إعلان عن تماسك اجتماعي متجذر، وعن قدرة مجتمع بأكمله على الانتقال من حالة السكون إلى الاستنفار عندما يشعر بأن بلاده أو كرامته أو سيادته باتت في دائرة الاستهداف، وفي الذاكرة اليمنية، لا تُقرأ العلاقة مع العدو السعودي باعتبارها خلافاً طارئاً فرضته عدوان السنوات الأخيرة، بل باعتبارها تاريخاً طويلاً من الصراع على السيادة والقرار اليمني،  فقد شهدت العلاقة حرباً مباشرة عام 1934 انتهت بمعاهدة الطائف، التي نصت على مبادئ احترام السيادة والسلامة الإقليمية وعدم التدخل.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

مجموعة معاهدات الأمم المتحدة

في ستينيات القرن الماضي، وثقت سجلات الأمم المتحدة الاتهامات الرسمية آنذاك الموجهة للعدو السعودي بالتدخل في الحرب اليمنية والايقاع بين جميع الأطراف اليمنية وهذه الوثائق تؤكد أن التدخل السعودي في الشأن اليمني له جذور تعود إلى عقود طويلة قبل هذا العدوان الغاشم، ثم جاء عدوان 2015 ليفتح فصلاً أكثر دموية؛ فقد أعلن العدو السعودي من واشنطن في 26 مارس 2015 بدء عدوانه في اليمن، وقادت تحالفاً إقليمياً شارك في العدوان،  ووثقت الأمم المتحدة خلال سنوات العدوان سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين وتدمير البنية التحتية وتفاقم الأزمة الإنسانية،  وهنا تتشكل في الوعي اليمني صورة العدو السعودي باعتباره خصماً تاريخياً لمشروع الاستقلال والسيادة اليمنية؛ وهي صورة سياسية وتاريخية ينبغي فهمها في سياق تراكم الصراعات والتدخلات، لا باعتبارها نتاجاً للحظة واحدة.

النكف .. عندما تتحول الذاكرة إلى قوة

في هذا السياق، يأتي النكف ليقول إن اليمنيين لا يتعاملون مع ما يرونه تدخلاً خارجياً باعتباره أمراً طبيعياً يمكن فرضه بالقوة، فالقبيلة اليمنية، بما تمتلكه من روابط اجتماعية ونخوة وحمية، تتحول عند الاستنفار إلى قوة بشرية وسياسية يصعب تجاهلها، وهنا تكمن الرسالة الأهم، أن اليمن ليس ساحة مفتوحة لمن يريد أن يفرض وصايته، والقبيلة ليست جسداً هامشياً يمكن تجاوزه عند رسم حسابات الحرب والسلام، إنها رسالة ردع قبل أن تكون إعلان مواجهة.

يمن اليوم ليس يمن الأمس

أكثر من عقد من العدوان والحصار غيّر اليمن بصورة عميقة. تراكمت الخبرة العسكرية، واتسعت شبكات التعبئة، وتغيرت موازين القوة، وأصبح المجتمع أكثر حساسية تجاه مفهوم السيادة والقرار المستقل، يمن اليوم أكثر خبرة بالحرب، وأكثر وعياً بكلفتها، وأكثر تشدداً تجاه قضية القرار الوطني،  وهذه القوة جاهزة لكل الاحتمالات فهي صورة أكثر إيضاحا ً للقدرة، ورسالة سياسية تقول إن الانتقال إلى المواجهة ستكون له كلفة.

العدو السعودي أمام ذاكرة لم تعد قابلة للمحو

ما يراه اليمنيون اليوم ليس مجرد خلاف سياسي مع العدو وكفى، بل تراكم لملفات الوصاية والتدخل والنفوذ والعدوان، ولهذا فإن أي محاولة لإعادة إنتاج العلاقة بمنطق الوصاية أو فرض الإرادة من الخارج تصطدم بجيل يمني تشكل وعيه في ظل العدوان ،  وشهد نتائج التدخل العسكري بصورة مباشرة،  وتكشف وثائق الأمم المتحدة المتعلقة بالعدوان عن حجم التداعيات الإنسانية للعمليات التي قادها التحالف السعودي؛ فقد وثقت هيئات أممية سقوط الاف المدنيين، بينهم نساء و أطفال، وتضرر منازل ومدارس ومرافق صحية وأسواق ومواقع مدنية أخرى، ومن هنا لا يبدو نكف القبائل، مجرد شعار تعبوي؛ إنه تعبير عن تراكم اجتماعي وسياسي يرى أن مرحلة فرض الإرادة على اليمن من الخارج ينبغي أن تنتهي.

ختاما ..

نكف القبائل اليمنية اليوم يحمل أكثر من رسالة،  تماسك اجتماعي، جاهزية، ردع، وتمسك بالسيادة،  أما العدو السعودي، في الذاكرة اليمنية، فليست عدوا ظهر مع أحداث السنوات الأخيرة؛ بل يرتبط حضوره في هذه الذاكرة بسلسلة ممتدة من الحروب والتدخلات والصراعات على النفوذ والحدود والقرار اليمني،
ولهذا فإن المشهد الحالي يمكن اختصاره برسالة واحدة، لقد تغيّر اليمن، وتغيّر وعي اليمنيين، ولم تعد الوصاية الخارجية تُستقبل كما كانت من قبل، فالنكف ليس مجرد استعراض للقوة، بل إعلان بأن وراء الأرض مجتمعاً قادراً على الحشد، وأن وراء السيادة شعباً يرى أن قرار اليمن يجب أن يصنع في اليمن، لا أن يُفرض من خارجه، وإذا كان التاريخ قد حمل فصولاً طويلة من اليمني مع العدو السعودي ،  فإن الرسالة التي يحملها النكف اليوم هي أن اليمنيين يريدون كتابة الفصل القادم بإرادتهم هم.

You might also like