أرقام لافتة ومشاريع ميدانية: الجمعيات التعاونية تدفع بعجلة الإنتاج وتفك العزلة عن آلاف المستفيدين

لم تعد المبادرات المجتمعية في عدد من المناطق الريفية تقتصر على معالجة احتياجات طارئة، بل تحولت إلى مسار عملي يجمع بين رفع الإنتاج الزراعي وتحسين الخدمات الأساسية، فمن تشكيل عشرات المجموعات الإنتاجية وتوفير البذور والمعدات، إلى رصف الطرق وبناء الفصول الدراسية وتنظيم توزيع مياه الري، تتسع خريطة المشاريع التي ينفذها الأهالي بدعم من الجمعيات التعاونية والسلطات المحلية.

يمانيون|محسن علي

 

تشهد محافظات حجة والحديدة والمحويت وذمار وإب حراكًا تنمويًا متنوعًا تقوده الجمعيات التعاونية والسلطات المحلية بمشاركة مباشرة من الأهالي، في مسعى لتنظيم النشاط الزراعي، وتحسين الخدمات الريفية، وتعزيز قدرة المجتمعات على إدارة مواردها وتنفيذ أولوياتها.

 

تنظيم المزارعين وتوسيع العمل التعاوني

في محافظة حجة، تركزت جملة من التحركات على تشكيل المجموعات الإنتاجية واختيار الميسرين من أبناء المناطق، بهدف تنظيم المزارعين وتسهيل حصولهم على الإرشاد والمدخلات والخدمات الزراعية، ففي عزلة البتارية بمديرية عبس، جرى تشكيل 12 مجموعة إنتاجية، فيما شهدت مناطق أخرى في عبس انتخاب ميسرين جدد، بينهم تسعة في عزلة بني حسن وعشرة في مربع الحرجة.

كما أثمرت الزيارات الميدانية في مديرية أسلم عن تشكيل 17 مجموعة إنتاجية زراعية في عزلة أسلم اليمن، إلى جانب مجموعات أخرى في أسلم الوسط ومركز الجوحل والقرى المجاورة، وتركز هذه الخطوات على الانتقال من الجهود الفردية إلى العمل الجماعي، وخفض تكاليف الإنتاج، وتحسين وصول الخدمات الإرشادية والتسويقية إلى المنتجين.

وفي مديرية يريم بمحافظة إب، أسهمت الزيارات الميدانية في تأسيس مجموعات إنتاجية للقمح والبطاطا والنحل، بينما ناقشت تحركات مماثلة في مديرية خيران المحرق بحجة استكمال تشكيل المجموعات واختيار الميسرين، مع إعطاء أولوية للمحاصيل النباتية باعتبارها أحد مداخل تعزيز الأمن الغذائي.

 

الزراعة المطرية والمحاصيل الاستراتيجية

بالتزامن مع هطول الأمطار، دشنت جمعية الدريهمي التعاونية الزراعية في محافظة الحديدة موسم الزراعة المطرية الخريفي بقرية العمرية، مع توجيه المزارعين إلى الاستعداد المبكر وحراثة الأراضي واستصلاح المساحات القابلة للزراعة. وأكد القائمون على المبادرة أن النزول المباشر يهدف إلى تقديم الدعم الفني والإرشادي وتسهيل خدمات الحراثة وتوفير البذور.

وفي مديرية كعيدنة بمحافظة حجة، دُشن مشروع زراعة ثمانية هكتارات من محصول الأرز في وادي المنامة، بوصفه تجربة جديدة تستند إلى وفرة المياه والمناخ الملائم، مع تطلع إلى التوسع مستقبلًا في زراعة الأرز والمحاصيل الاستراتيجية.

أما في مديرية الزهرة بمحافظة الحديدة، فقد أطلقت الجمعية التعاونية مشروعًا لاستثمار الأراضي الصحراوية والكثبان الرملية بعد موسم الأمطار، مستهدفة أكثر من ألفي معاد بمحاصيل الذرة الرفيعة والدخن والزعر، كما أعلنت الجمعية خطة لزراعة أكثر من 500 هكتار باستخدام أربعة أطنان من البذور، في إطار توجه يربط بين استصلاح الأراضي وتعزيز الإنتاج المحلي.

 

البذور والميكنة الزراعية

حظي قطاع البذور والميكنة باهتمام واضح ضمن الأنشطة المنفذة، فقد أنجزت جمعية زبيد التعاونية الزراعية في الحديدة غربلة وتنقية أكثر من 28,550 كيلوغرامًا من بذور المحاصيل، بينها 21,850 كيلوغرامًا من الذرة الشامية و6,700 كيلوغرام من الذرة الرفيعة، ليستفيد منها أكثر من 125 مزارعًا.

وفي مديرية المنيرة، جرى تدشين غربلة بذور الدخن بعد توفير المعدات اللازمة، حيث تمت معالجة عشرة أكياس زنة 50 كيلوغرامًا للكيس، بهدف فصل البذور الصالحة للزراعة ورفع جودتها، كما فعّلت جمعية الزهرة ماكينة بذارة ضمن مشروع الزراعة التعاقدية، بما يساعد على تقليل الهدر وتخفيف كلفة ومشقة عمليات البذر.

وفي محافظة إب، بدأت المرحلة الأولى من توزيع وحدات غربلة الحبوب على أربع جمعيات تعاونية في مديريات المخادر وحبيش والشعر وفرع العدين، في خطوة تستهدف رفع كفاءة العمليات الزراعية وتمكين الجمعيات من تقديم خدمات فنية مباشرة للمزارعين.

 

تنظيم المياه ودعم الثروة الحيوانية والسمكية

شملت المبادرات أيضًا تحسين إدارة الموارد المائية. ففي مديرية كعيدنة بمحافظة حجة، جرى تقييم الحالة الفنية للقنوات المائية المتوقفة في وادي باله، وقدّر الفريق الاحتياج بنحو 30 ساعة عمل من المعدات والأيدي العاملة لتنظيفها وإزالة الأتربة، مع الدعوة إلى إطلاق مبادرة مجتمعية عاجلة لإعادة تدفق المياه إلى الأراضي الزراعية.

وفي مديرية الزهرة بالحديدة، ناقشت السلطة المحلية والجمعية التعاونية والمزارعون آلية تنظيم توزيع المياه في القناة الشمالية لوادي مور، وأُقرت لجنة مجتمعية للإشراف على القناة وضمان عدالة السقي، بالتوازي مع إلزام المستفيدين بالمشاركة في أعمال التنظيف والصيانة.

كما تابعت جمعية القناوص أوضاع المستفيدين من مشاريع تربية وتسمين الثروة الحيوانية، مع التركيز على انتظام سداد الأقساط وتدوير القروض، وتوفير الرعاية البيطرية ومعالجة المشكلات الفنية، وفي مديرية الجراحي، ترافقت متابعة مشاريع الأبقار والتمكين الاقتصادي مع أعمال حفر آبار واستصلاح أراضٍ لتوفير مياه الري وتوسيع الرقعة المزروعة.

وفي القطاع السمكي، جرى تجهيز ونقل خزان تبريد حديث إلى مركز الإنزال السمكي في الخوخة، بهدف الحفاظ على جودة المنتجات وتقليل خسائر الصيادين وتحسين فرص تسويق الإنتاج.

 

الطرق وفك العزلة

على صعيد الخدمات، نفذت المجتمعات المحلية مبادرات متعددة لشق ورصف الطرق وتحسين حركة المواطنين ونقل المحاصيل، ففي مديرية الرجم بمحافظة المحويت، أنجز الأهالي أعمال رصف ثمانية مسارات ضمن طريق يخدم نحو 20 ألف مستفيد، باستخدام 189 كيس إسمنت، فيما أُنجزت مقاطع أخرى في عزلة العزكي تخدم قرابة 9 آلاف مستفيد وتربط مناطق في عمران وحجة.

وفي منطقة بني حريش بمديرية ملحان، تتواصل أعمال رصف طريق يتراوح طوله بين ثلاثة وأربعة كيلومترات، بينما أنجز أهالي قرية المعمر 50 مترًا من مبادرة طريق عقبة الضالع الأعلى، إلى جانب مسح وتوسعة طريق آخر بجهود ذاتية.

وفي محافظة ذمار، تلقت مبادرتا طريقي حدث–بيت العميسي والسواد–بني الصغير دعمًا بالأسمنت والديزل، كما دُشنت المرحلة الثانية من رصف طريق بني ضبيان بطول 200 متر لخدمة نحو 700 نسمة، وفي حجة، بدأت مبادرة رصف طريق بني العقيلي بتأهيل 120 مترًا يستفيد منها نحو 800 نسمة، بينما أُزيلت الأشجار والعوائق من طريق المقفل في أسلم، وطريق الحجيلة–عبال في الحديدة على امتداد خمسة كيلومترات.

كما تواصلت أعمال شق ورصف طريق شعب العقب في جبل المحويت، حيث أُنجز أكثر من 60% من مسار يبلغ نحو كيلومترين، في مشروع يربط عددًا من القرى ويساعد على نقل المنتجات الزراعية وإسعاف المرضى، وشهدت مديرية بني قيس في حجة تسليم معدة «بوكلين» بتكلفة 30 مليون ريال بتمويل مجتمعي ومساهمات داعمة، لتعزيز قدرة المديرية على تنفيذ مشاريع الطرق والخدمات.

 

التعليم والمبادرات الخدمية

امتد أثر المبادرات إلى قطاع التعليم، إذ يجري تنفيذ مشروع لبناء ثلاثة فصول دراسية جديدة في مدرسة الإخلاص بمنطقة جبل عبيد في حجة، بتكلفة تقديرية تبلغ ثلاثة ملايين ريال، وفي مديرية المنار بمحافظة ذمار، أطلق الأهالي مبادرة لبناء خمسة فصول دراسية في قرية الخرابة بتكلفة 1.5 مليون ريال، ليستفيد منها نحو 200 طالب وطالبة، مع مساهمة الأهالي بنسبة 60% من التكلفة.

وفي محافظة البيضاء، نُفذت مبادرة لغرس أشجار التين في مدرسة الوحدة الأساسية والثانوية للبنات، بهدف تحويل المساحات المدرسية إلى بيئة خضراء وربط التوعية الزراعية بالمؤسسات التعليمية.

وتعكس هذه المشاريع، إلى جانب المبادرات الخاصة بإزالة العوائق من الطرق وتوفير المعدات والخدمات، توسع الدور الذي تؤديه الجمعيات التعاونية والمجتمعات المحلية في معالجة الاحتياجات اليومية، خصوصًا في المناطق الريفية والجبلية.

 

ختاماً

تكشف هذه التحركات أن التنمية الريفية لا تُقاس فقط بحجم التمويل، بل بقدرة المجتمع على تحويل موارده المحدودة إلى مشاريع ملموسة تمس حياة الناس مباشرة. وبينما تُنظَّم الحقول في مجموعات إنتاجية، وتُغربل البذور، وتُستصلح الأراضي، وتتقدم أعمال الطرق والفصول الدراسية، تترسخ معادلة جديدة قوامها الشراكة والتكافل والعمل المحلي؛ وهي معادلة يمكن أن تمنح القرى قدرة أكبر على الإنتاج، وتقلل العزلة، وتفتح طريقًا أكثر استدامة نحو تحسين الخدمات وتعزيز الأمن الغذائي.

You might also like