الزامل الشعبي.. الوظائف والأدوار في مجتمع تقليدي

يعد الزامل الشعبي في اليمن إحدى الظواهر الإعلامية التقليدية التي مارسها المجتمع اليمني منذ القدم، وما يزال يمارسها حتى الراهن، حيث يحظى بزخم جماهيري واسع، وبمقدرة لافتة على التأثير في الرأي العام، ولا سيما في المجالين الحربي والعسكري، والاجتماعي والقبلي.

يمانيون| د أمين الجبر

فالزامل ليس مجرد أبيات شعرية تلقى في مناسبات محددة، ولا مجرد وسيلة لشحذ الهمم ورفع المعنويات، وإنما هو في جوهره وسيلة تعبير واتصال جماعي، تؤدي أحيانا وظائف تتجاوز الشعر ذاته؛ إذ يمكن أن يعمل على الضدين: إما أن يسهم في حلحلة بعض المشاكل بصورة مكثفة ومباشرة، من خلال بضعة أبيات شعرية تختصر موقفا أو رسالة أو عتابا، وإما أن يعمل على تأجيجها بالقدر ذاته، عن طريق أبيات شعرية مضادة تحمل رسائل الرد والمواجهة.

 

دور مهم في خلقنة العلاقات وتمتين الروابط

وإلى جانب الزوامل الحربية والقبلية، ثمة زوامل فرائحية، وأخرى اجتماعية ذات محتوى قيمي وأخلاقي، تتفاخر بها أعراف القبيلة ويجلها المجتمع، وتلعب دورا مهما في خلقنة العلاقات وتمتين الروابط الاجتماعية، إن لم تكن بمثابة إعلام تقليدي ذي رسالة هادفة وموجهة.

 

ترانيم وتمتمات ملحونة

وقد ساقتنا الصدفة، في مشهد تراجيدي/تقليدي، مع نخبة من الأكاديميين، إلى المشاركة في عرس بإحدى قرى عنس، في بخران تحديدا. وهناك وجدنا أنفسنا، ومن دون مقدمات مراسيمية، في معمعة حشد واصل لتوه من عشيرة العريس القاطنة في منطقة بعيدة، هي رصابة، في حين كان في الضفة الأخرى من الساحة حشد المضيفين المستقبلين للواصلين.

وبعد أن أخذ الجميع أماكنهم في صفوف متقابلة، شبه بيضاوية، تقدم أحدهم إلى مقدمة الصف، طالبا ما أسماه “حالا شعرياً “، تعبيرا عن الواصلين ولسان حالهم، بما يحمله من بهجة الوصول ومشاركة أهل العرس فرحتهم.

وما هي إلا لحظات حتى ارتجل شعراً شعبياً، لم تكن كلماته واضحة تماما بالنسبة إلي، بقدر ما بدت أقرب إلى ترانيم وتمتمات ملحونة، تنتظم في نسق موسيقي واحد، يرددها الضيوف بصورة جماعية، ترافقها قرع الطبول.

 

السعادة بالواصلين

وحين انتهى الزامل الأول، جاء الرد من الطرف المضيف، بزامل شعري آخر، وبالسجع ذاته ووحدة القافية نفسها، غير أن الكلمات هذه المرة كانت ممتلئة بالترحيب والابتهاج والسعادة بالواصلين.

 

عتاب الضيف والمضيف

ومن خلال مضمون الزاملين، تبين لي أن ثمة عتاباً أبداه الضيوف، قابله اعتذار من المضيفين، على خلفية خلاف اجتماعي بين عشيرتين، كان قد حال دون وصول الجميع في اليوم الأول، إذ وصل أحد الضيوف في وقت سابق، فيما جاء بقية أفراد العشيرة في اليوم التالي، وربما كان وراء ذلك خلاف أسري بين بعض الأطراف، جعل العرس مجزأ على ذلك النحو، كما فهمت من سياق الزاملين.

 

أهمية الزامل

وهنا تكمن أهمية الزامل بوصفه أكثر من مجرد لون شعبي من ألوان التعبير؛ فهو قادر على اختزال قصة اجتماعية كاملة في أبيات قليلة، وعلى تمرير العتاب من دون خطاب مباشر، وتقديم الاعتذار من دون مجلس رسمي، وإعادة ترتيب العلاقة الاجتماعية أمام جمهور واسع، بحيث يصبح الشعر نفسه وسيلة تفاوض وتصالح واتصال.

 

أداة للتأثير والحل والتصعيد

دراسة الزامل لا ينبغي أن تتوقف عند بنيته الشعرية أو الموسيقية، وإنما ينبغي أن تتجاوزه إلى وظائفه الاجتماعية والإعلامية، وإلى ما يكشفه من طبيعة المجتمع اليمني، وآليات التواصل داخله، وكيف كانت القبيلة وما تزال تستخدم الكلمة بوصفها أداة للتعبير والتأثير، وربما للحل أو التصعيد أيضاً.

 

الأراجيز الثنائية وسائل التعبير الجماعي

وربما كانت هذه التفاصيل من المشاهد القبلية التقليدية التي تكاد تغيب عن ذاكرتي، بسبب قطيعة قبلية فرضتها الحياة المدنية ومكوثي في المدينة ردحا من الزمن؛ حتى صرت لا أعي كثيراً من تفاصيل الثقافة القبلية التي كنت جزءً منها أثناء الصغر.

غير أن هذا المشهد أعادني، ولو بصورة عابرة، إلى واحدة من أهم وسائل التعبير الجماعي في البيئة القبلية اليمنية، وهي الأراجيز الثنائية التي يتبادلها طرفان، ويعرف كل منهما كيف يقول للآخر ما يريد قوله، شعراً، وإيقاعاً، وإشارة، من دون حاجة إلى خطاب مطول أو وساطة رسمية.

وهذه الأراجيز الثنائية تشكل، بأي حال من الأحوال، ظاهرة إعلامية تقليدية اعتادت القبيلة عليها منذ زمن، وما تزال تمارسها، حتى في مناسبات الأفراح. وهي تعبير حي عن ثقافتها وتقاليدها الاجتماعية، وعن قدرتها على إنتاج خطابها الخاص من داخل البيئة الشعبية نفسها.

 

صورة تستوعبها الذاكرة الشعبية

ولعل ما قاله شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني عن هذا النوع من الأدب الشعبي يفسر جانبا من خصوصيته، حين وصفه بأنه “مقطوع الصلة بالمعارف الشعرية، لأنها من نتاج أميين فطريين ينظمون ترانيمهم ويرددونها…”، لكنه في الوقت ذاته رآه مفعماً بالإيقاع الفطري، وذا شاعرية زجلية خاصة، منتزعة من خصوصية المكان وما يتحرك فيه ويرف عليه.

ولعل أهازيج الأعراس تكون أكثر احتفالاً بهذه البهجة، كونها فرائحية في أصلها، إلا أن فرحها لا يلغي وظائفها الاجتماعية الأخرى؛ فهي ترحب، وتعاتب، وتعتذر، وتفاخر، وتؤكد الانتماء، وتعيد إنتاج القيم والعلاقات في صورة جماعية تستوعبها الذاكرة الشعبية.

وفي السياق ذاته، عبر الفيلسوف هوايتمان عن الأدب الشعبي بأنه ينبعث من عمل أجيال عديدة من البشرية، ومن ضرورات حياتها وعلاقاتها، ومن أفراحها وأحزانها، وأن أساسه قريب من الأرض التي تشقها الفؤوس، بينما شكله النهائي من صنع الجماهير المغمورة المجهولة، أولئك الذين يعيشون لصق الواقع.

وهذا بالضبط ما يتجلى في الزامل اليمني؛ فهو لم يولد في قاعات المؤسسات الإعلامية، ولا في استوديوهات الإذاعة والتلفزيون، وإنما ولد في فضاء الحياة نفسها، من القبيلة، ومن الحرب والسلم، ومن الفرح والحزن، ومن الخصومة والمصالحة، ومن الحاجة إلى التعبير عن الموقف وإيصاله إلى الآخرين.

ومن هنا فإن الزامل، بوصفه ظاهرة إعلامية تقليدية، يمثل جزءً أصيلا ًمن الذاكرة الثقافية والاجتماعية اليمنية؛ إذ يكشف كيف استطاع المجتمع، قبل ظهور وسائل الإعلام الحديثة، أن ينتج وسيلته الخاصة للتواصل والتأثير، وأن يحول الكلمة الموزونة إلى رسالة عامة، والإيقاع إلى وسيلة للحشد، والشعر إلى خطاب اجتماعي وسياسي حي.

ولذلك فإن دراسة الزامل لا ينبغي أن تتوقف عند بنيته الشعرية أو الموسيقية، وإنما ينبغي أن تتجاوزه إلى وظائفه الاجتماعية والإعلامية، وإلى ما يكشفه من طبيعة المجتمع اليمني، وآليات التواصل داخله، وكيف كانت القبيلة وما تزال تستخدم الكلمة بوصفها أداة للتعبير والتأثير، وربما للحل أو التصعيد أيضاً.

 

ختاما

يبقى الزامل إعلام تقليدي، نعم، ولد من رحم المجتمع، وعاش في ذاكرته، وما يزال حاضرا في أفراحه وأتراحه وحروبه ومناسباته؛ ولذلك فإن الزامل ليس مجرد شعر يقال، وإنما رسالة اجتماعية تؤدى، وتسمع، وتستقبل، ويرد عليها، وقد تغير، في أبيات قليلة، مسار علاقة كاملة بين جماعة وأخرى.

You might also like