من ذاكرة الشهيد إلى كرامة أسرته.. كيف يرسم «الفائزون» طريق التكافل؟
يعالج كتاب “الفائزون” مفهوم التكافل الاجتماعي ورعاية أسر الشهداء باعتبارهما واجبًا دينيًا وأخلاقيًا ووطنيًا جماعيًا، وليس عملًا خيريًا موسميًا أو مسؤولية تقع على عاتق جهة واحدة، ويخصص الكتاب في مواد الذكرى السنوية للشهيد مساحة مباشرة لهذا الموضوع، ولا سيما في محور “واجبنا تجاه أسر الشهداء”، إلى جانب محاور أخرى تتناول مسؤولية الدولة والمجتمع وضرورة تخليد مآثر الشهداء.
يمانيون| محسن علي
التكافل يبدأ من الاعتراف بالتضحية
ينطلق الكتاب من أن الشهيد لم يضحِّ بنفسه فقط، بل ترك وراءه أسرة تحملت تبعات غيابه، ولذلك فإن تكريم الشهيد لا يكتمل بمجرد إقامة مراسم التشييع أو إطلاق عبارات الثناء، بل يجب أن يترافق ذلك مع تقدير واضح لأسرته، بما يشمل الآباء والأمهات والأرامل والأبناء والإخوة وسائر ذويه.
ويؤكد أن أسر الشهداء تمثل امتدادًا حيًا لتضحياتهم، وأن ما تقدمه من صبر وثبات وتماسك ينبغي أن يُقابل بالإجلال والاحترام، لا بالإهمال أو التعامل العابر، ومن هنا، ينظر إلى الأسرة باعتبارها شريكة في التضحية، لا مجرد طرف متلقٍّ للمساعدة.التخليد والتوثيق جزء من الرعاية
لا يحصر الكتاب رعاية أسر الشهداء في الجانب المادي، بل يبدأ بما يسميه استذكار مآثر الشهداء وتخليدها. ويقترح أن يتم ذلك عبر مراسم التشييع والتكريم، والكتابة عن الشهداء، والتوثيق الإعلامي، والأنشطة التوعوية، وإبراز مواقفهم وتضحياتهم للأجيال اللاحقة، كما يولي أهمية خاصة لربط أبناء الشهداء بسيرة آبائهم؛ لأن بعض الأبناء يفقدون آباءهم في سن مبكرة، وقد يكبرون من دون معرفة كافية بتضحياتهم أو دوافعهم، ولذلك يرى أن من واجب المجتمع تعريف هؤلاء الأبناء بتاريخ آبائهم ومواقفهم، وربطهم بالنماذج التي قدمت تضحيات استثنائية.
وهنا يصبح التخليد وسيلة تربوية ونفسية في آن واحد؛ فهو يساعد أبناء الشهيد على فهم إرث أسرتهم، ويمنع تحول الغياب إلى فراغ مؤلم أو مجهول، كما يجعل ذكرى الشهيد جزءًا من الوعي العام لا شأنًا خاصًا بالأسرة وحدها.الرعاية التربوية والثقافية
ينص الكتاب بصورة مباشرة على أهمية الرعاية التربوية والتثقيفية لأسر الشهداء، ولا سيما الأبناء. ولا يقتصر ذلك على توفير التعليم، بل يشمل المتابعة المعنوية والتربوية، وتنمية الوعي، وتعزيز الثقة بالنفس، وإشعار أبناء الشهداء بأنهم موضع تقدير ورعاية مستمرة.
وتتضمن هذه الرؤية التعامل مع الأسرة باحترام يحفظ كرامتها، وتجنب النظر إليها باعتبارها حالة عجز أو احتياج دائم. فالرعاية، وفق طرح الكتاب، ينبغي أن تساعد الأسرة على الاستقرار والنمو، وأن تمنح أبناءها فرصًا عادلة في التعليم والتأهيل وبناء المستقبل.الانتقال من المساعدة المؤقتة إلى التمكين الاقتصادي
من أكثر النقاط تفصيلًا في الكتاب دعوته إلى عدم الاكتفاء بالمساعدات المتقطعة التي تصل إلى الأسرة من حين إلى آخر، فهو يطرح مفهومًا أكثر تقدمًا يقوم على تمكين أسر الشهداء من بناء وضع اقتصادي مستقل، ويشيرإلى إمكان مساعدة بعض الأسر على إنشاء مصادر دخل أو مشاريع إنتاجية تمكنها من الاعتماد على نفسها، والعيش في وضع طبيعي ومنتج، وبذلك يميز بين مستويين من الرعاية:
المساعدة العاجلة والمباشرة عند الحاجة.
التمكين الاقتصادي طويل المدى الذي يمنح الأسرة مصدر دخل مستقرًا ويقلل اعتمادها على الإعانات.
ولا يعني ذلك إلغاء المساعدة المباشرة، بل استمرارها إلى جانب التمكين، خصوصًا في حالات المرض والظروف الاجتماعية والاستثنائية، فالمطلوب، كما يعرض الكتاب، هو بناء شبكة رعاية مرنة تراعي اختلاف احتياجات الأسر وأوضاعها.المسؤولية بين الدولة والمجتمع
وفي السياق يؤكد أن رعاية أسر الشهداء ليست مهمة مؤسسة واحدة أو جهة محددة، بل مسؤولية مشتركة بين:
الدولة ومؤسساتها الرسمية.
المؤسسات الخيرية والإنسانية.
مؤسسة الشهداء والجهات المتخصصة.
المجتمع المحلي.
العلماء والخطباء والمثقفين والوجهاء.
وفي موضع آخر، يذكّر الكتاب الجهات الرسمية بحقوق الشهداء، ويدعو إلى منحهم الاعتبار المناسب، واعتماد حقوقهم الوظيفية والترقيات، ورعاية أسرهم وأيتامهم بحسب الإمكانات، وهذا يعكس تصورًا للرعاية الرسمية يتجاوز الإعانة إلى الاعتراف المؤسسي بمكانة الشهيد وحقوق أسرته، كما يحمّل المجتمع مسؤولية إنسانية وأخلاقية، تتمثل في الوقوف إلى جانب الأسر، وتقدير معاناتها، ومساعدتها ماديًا ومعنويًا، وعدم تركها تواجه آثار الفقد بمفردها.حماية الأسر وتحقيق العدالة
يتناول الكتاب قضية مهمة تتصل بالتكافل بصورة غير مباشرة، وهي عدم ترك العبء العسكري والتضحيات يتركز في أسر أو مناطق بعينها، وينبه إلى أن بعض الأسر قدمت معظم رجالها، حتى لم يبق فيها إلا النساء والأطفال، ولذلك يدعو إلى منع مشاركة «وحيد الأسرة» في الجبهات إذا كان هو المعيل الوحيد لها.
وتحمل هذه الفكرة بُعدًا اجتماعيًا واضحًا؛ فالتضحية في سبيل الله يجب أن تكون مسؤولية عامة، لا عبئًا دائمًا على أسر محددة، ولذلك يدعو إلى توسيع دائرة النهوض بالمسؤولية على مستوى المناطق والمجتمع، حتى لا تتحمل عائلات بعينها وحدها كلفة المواجهة.الرعاية المعنوية واحترام كرامة الأسرة
يشدد الكتاب على ضرورة أن تحظى أسر الشهداء بتعامل راقٍ ومحترم يقدّر تضحياتها، بعيدًا عن المنّ أو الإهمال أو الاستغلال الإعلامي، كما يولي اهتمامًا بالمراسم والمظاهر المرتبطة بالتشييع، فيدعو إلى تجنب إطلاق النار، ويركز على الوقار والاحترام، مع تقديره لمواقف الأمهات والأرامل والآباء الذين يعبّرون عن الصبر والثبات والاعتزاز بتضحيات أبنائهم، وهذا يعني أن التكافل وفق المحاضرات ليس مالًا فقط، بل هو أيضًا حماية للكرامة، وحفظ للمكانة، وتقدير للمشاعر، ورعاية للبعد النفسي والاجتماعي.
الخلاصة
تقدم المحاضرات تصورًا متكاملًا للتكافل الاجتماعي يقوم على خمسة مستويات مترابطة: التخليد، والرعاية التربوية، والدعم النفسي، والمساعدة المادية، والتمكين الاقتصادي،كما يربط هذه المستويات بمسؤولية الدولة والمجتمع والمؤسسات والأفراد.
ومع ذلك، فإنه يطرح المبادئ والاتجاهات العامة أكثر مما يقدم نظامًا إجرائيًا تفصيليًا يتضمن ميزانيات أو مؤشرات قياس أو آليات تنفيذ محددة، وتكمن أهميته في أنه ينقل رعاية أسر الشهداء من نطاق التعاطف المؤقت إلى مفهوم المسؤولية المستمرة، ويؤكد أن الوفاء الحقيقي لا يكون بالكلمات وحدها، بل ببناء حياة كريمة ومستقرة لأسر من قدموا حياتهم دفاعًا عن قضاياهم ومجتمعهم.