فجور الخصومة وارتهان القرار.. مرتزقة العدوان شركاء في تمزيق اليمن واستنزاف أبنائه

حين يتحول الخلاف السياسي إلى بوابة لاستدعاء الأعداء، وتصبح دماء أبناء الوطن ثمنًا لمصالح الخارج، فإن القضية لم تعد خلافًا في الرأي أو لهثا على السلطة، بل انحدارًا أخلاقيًا ووطنيًا يكشف حقيقة المشاريع التي تتغذى على تمزيق اليمن واستنزاف شعبه،  ليست المشكلة أن يختلف اليمنيون في المذهب أو الانتماء السياسي فالاختلاف لا يبرر العداء المطلق، ولا يمنح حق الكذب والافتراء وتزييف الحقائق،  لكن الكارثة تبدأ حين يتحول الخلاف إلى فجور في الخصومة، وحين يصبح الاستقواء بالعدو السعودي وسيلة لضرب أبناء الوطن، وتُقدَّم المصالح السعودية على دماء اليمنيين وسيادة بلادهم ومستقبل أجيالهم.

 

 

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

عندما تسقط الأقنعة.. الخصومة ليست ترخيصًا للخيانة الأخلاقية

إن أخطر ما يكشفه هذا المسار هو الانحدار بالخصومة السياسية إلى مستوى تتراجع فيه القيم الدينية والأخلاقية أمام حسابات المصالح والسلطة، فالإسلام لم يجعل الاختلاف مبررًا للظلم، ولم يبح الكذب على الخصوم أو انتهاك حقوقهم، بل حذّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الفجور في الخصومة، وعدّه من خصال النفاق، فبأي منطق يُسوَّغ تشويه المخالفين بالافتراءات؟ وبأي معيار أخلاقي يصبح التحريض على أبناء الوطن مقبولًا لمجرد أنهم ينتمون إلى مشروع سياسي مختلف؟ وأي وطنية هذه التي تستبيح كل شيء في سبيل الانتصار على الخصم، حتى لو كان الثمن تمزيق المجتمع وإطالة أمد العدوان والحصار على بلدهم؟، إن من يجعل الكذب سلاحًا، والتضليل منهجًا، والتحريض وسيلةً لحشد الأتباع، لا يدافع عن قيم الدين، بل يوظف الخلاف لتبرير الانحراف عنها.

الاستقواء بالعدو السعودي.. حين يصبح الوطن ساحة لتصفية الحسابات

تتجلى المفارقة الكبرى في أن مرتزقة يمنيين  من يتحدثون باسم الشرعية والوطنية يجعلون من الارتهان للخارج وسيلة لمواجهة خصومهم في الداخل الذين رفعوا راية الاستقلال والتحرر من الوصاية، وكأن اليمن لا يملك حق تقرير مصيره، وكأن دماء أبنائه يمكن أن تُستباح لتحقيق حسابات إقليمية لا تخدم بالضرورة مصالحهم، إن استدعاء العدو الخارجي لحسم الخلافات الداخلية ليس انتصارًا للوطن، بل فتحٌ لأبواب التدخل والهيمنة وإضعاف القرار الوطني،  وحين تتقدم الإملاءات من قبل العدو على المصلحة اليمنية، يصبح السؤال مشروعًا، من الذي يدفع ثمن هذه الخيارات؟ أليس اليمنيون هم من يتحملون القتل والدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي؟ لا يمكن لمن يضع بلاده في خدمة العدو السعودي أن يحجب حقيقة موقفه خلف الشعارات، فالوطنية تُقاس بحماية السيادة والإنسان والأرض، لا بمدى الاستعداد لتقديم التضحيات من حساب الشعب اليمني لمصلحة هذا العدو .

المفارقة الدامية.. طيران العدو يستهدف حتى مجاميع المرتزقة التي تقاتل في صفه

لعل المشهد الأكثر إثارة للأسئلة والمساءلة هو ما أُثير ووُثّق بشأن تعرض مجاميع يمنية تقاتل ضمن تشكيلات موالية للعدو السعودي لضربات جوية من طيرانه في مواقع المواجهات، إن وقوع مثل هذه الجرائم، يطرح تساؤلات خطيرة عن طبيعة إدارة المعركة، ومدى اعتبار حياة المقاتل اليمني أولوية لدى السعودية التي تدير العمليات العسكرية،وهنا تكمن المأساة،  أن يجد اليمني نفسه وقودًا لمعركة لا يملك بالضرورة قرارها، وأن يدفع دمه في مواجهة أبناء بلده، بينما تظل حياته ومصالحه رهينة حسابات العدو السعودي،  فأي جدوى من القتال تحت راية هذا العدو إذا كان اليمني معرضًا لأن يصبح ضحيةً لحساباته العسكرية؟ وأي ضمانة لمن يضع بندقيته في خدمة مشروع لا يملك قراره؟  إن هذه الأسئلة ليست دعوة إلى الانتقام أو التحريض على اليمنيين، بل دعوة إلى مراجعة المواقف وكشف الحقائق .

تمزيق اليمن.. المستفيد من استمرار نزيف الدماء

إن أخطر نتائج هذا المسار لا تتوقف عند الخسائر البشرية، بل تمتد إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، وتوسيع فجوة العداء بين اليمنيين، وإضعاف قدرتهم على استعادة دولتهم وبناء مستقبلهم، كل خطاب يغذي الكراهية، وكل حملة تقوم على الافتراء، وكل موقف يقدم مصالح العدو السعودي على المصلحة الوطنية، يضيف لبنة جديدة في جدار الانقسام، ويجعل الخروج من الحرب أكثر صعوبة، والأخطر أن يتحول الاقتتال الداخلي إلى واقع دائم تستنزف فيه الطاقات اليمنية، بينما تتراجع فرص التنمية والاستقرار، وتظل البلاد مفتوحة أمام التدخلات الخارجية، إن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من المحرضين، بل إلى مواقف شجاعة تضع حدًا لاستنزاف أبنائه، وترفض تحويل خلافاتهم إلى أدوات في أيدي الآخرين.

اليمن ليس سلعة في سوق الارتهان

إن الخلاف السياسي لا يبرر الكذب، والانتماء المذهبي لا يبيح الظلم، والخصومة لا تمنح أحدًا صكًا لاستدعاء العدو السعودي ضد وطنه، ومن يزعم الدفاع عن اليمن، ثم يقبل باستنزاف أبنائه وتمزيق نسيجه الاجتماعي، مطالب بمراجعة التناقض بين شعاراته ومواقفه، فدماء اليمنيين ليست وسيلةً للارتزاق السياسي، وسيادة اليمن ليست ورقةً للمساومة، ومستقبل شعبه ليس ملكًا للقوى للعدو السعودي مهما كان الثمن ، ستبقى الحقيقة التي لا تستطيع حملات التضليل طمسها أن اليمنيين هم من يدفعون ثمن الحرب، وأن إنهاء استنزافهم يبدأ برفض الارتهان، وتقديم مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، فمهما اشتدت الخصومة، لا يصبح الوطن عدوًا، ولا يصبح استدعاء العدو السعودي بطولة، ولا تتحول التضحية بأبناء الشعب إلى موقف وطني.

You might also like