حكمة القبيلة حين تلتقي مع الإيمان.. قوة لا تُقهر وصمود يركع الغزاة
في مشهدٍ يختزل عمق التحول الذي شهدته اليمن خلال العقد الأخير، تتقدم قبائل اليمن في كل أسبوع صفوف الإسناد الشعبي للقوات المسلحة، لا تنتظر جزاءً ولا شكوراً، بل تترجم ما توارثته من قيم النكف والنفير إلى واقعٍ ملموس: مالٌ يُقدَّم، ورجالٌ يُسخَّرون، وسلاحٌ يُرفد، ودمٌ يُبذل في سبيل الله، ومنذ انطلاق ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر 2014، لم تكن القبيلة مجرد مكوّن اجتماعي هامشي في معادلة الصراع، بل تحولت إلى ركيزة أساسية في مشروع النهضة الوطنية، وعصباً حيوياً يغذي الجبهات ويسند الأجهزة الأمنية، في وقتٍ كانت فيه الدولة تواجه أخطر تحدياتها الوجودية.
يمانيون| محسن علي
من النكف إلى النفير.. تحول البنية القبلية
كان ولا يزال “النكف القبلي” في اليمن أداة الضبط الاجتماعي والاستنفار الجماعي في اللحظات المفصلية؛ فهو نفير عام يُعلنه شيخ القبيلة أو شخصية اعتبارية عند مواجهة خطر يهدد الأرض والعرض والسلم، غير أن ما جرى بعد 21 سبتمبر 2014 هو تحويل هذا العرف من دائرة الحماية المحلية الضيقة إلى دائرة الوطنية الشاملة، فبعد أن أعلنت القوات المسلحة معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”، وجدت القبائل في هذه المعادلة امتداداً طبيعياً لقيمها في نصرة المظلوم وردع العدوان.
ولم يكن هذا التحول مفاجئاً أو منقطعاً عن سياقه، فقد شهدت السنوات التي سبقت الثورة محاولات خارجية لشراء الولاءات القبلية وإثارة النعرات والنزاعات، في مسعى لإبقاء اليمن رهينة للأجندات الإقليمية والدولية وغارقا في صراعاته الداخلية تنفيذا لمخطط صهيوأمريكي وأموال سعودية مدنسة، ومع انطلاق الثورة، تراجع ذلك الحضور الخارجي في صناعة القرار، وتقدمت القوى الوطنية في إدارة الشأن الداخلي، ووجدت القبيلة نفسها أمام مسؤولية تاريخية: أن تكون درعاً للوطن لا أداة لتمزيقه.الأجهزة الأمنية.. إسناد لا يقل أهمية
لم يقتصر دور القبائل على رفد الجبهات العسكرية، بل امتد ليشمل إسناد الأجهزة الأمنية في مهامها، فالقبيلة في اليمن، بحكم بنيتها وامتدادها الجغرافي والاجتماعي، تشكل شبكة معلوماتية طبيعية تسند الأجهزة الأمنية في مكافحة الجريمة والتحسب لمحاولات الاختراق، وفي بيانات النكف القبلي المتكررة، يتكرر التحذير من “أي أعمال تستهدف أمن واستقرار الجبهة الداخلية”، والدعوة إلى “اليقظة في مواجهة أنشطة التجسس والخيانة”، وإعلان البراءة من كل من يثبت تورطه في أعمال تهدد أمن اليمن أو التعاون مع أطراف معادية .
هذا الإسناد الأمني ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لدور تاريخي للقبيلة في حل النزاعات ومعالجة القضايا الأمنية ضمن الأعراف والتقاليد ، غير أن الحرب والعدوان أعطيا هذا الدور بعداً جديداً: فالقبيلة اليوم ليست وسيطاً في الخصومات المحلية فحسب، بل شريكاً في حماية الجبهة الداخلية من الاختراقات التي تحاول استغلال الظروف الأمنية.الخروج الأسبوعي.. إصرار رغم كل الظروف
ما يميز الحراك القبلي الراهن هو استمراريته بزخم منقطع النظير ففي كل أسبوع، وعلى امتداد المحافظات، تخرج القبائل في وقفات ولقاءات ونكفات بحشود مليونية، لا يثنيها عدوان مستمر ولا حصار خانق، بل إن هذه الظروف نفسها تحولت إلى دافع إضافي للخروج، تقول بيانات القبائل إن “العدوان والحصار” لم يزيدا الشعب اليمني إلا ثباتاً وتمسكاً بخياراته، وأن الاستجابة لدعوات النفير العام تعكس “مستوى الوعي الشعبي والالتفاف المجتمعي حول القضايا الوطنية” .
وفي هذا السياق، تبرز ظاهرة “وثيقة الشرف القبلية” التي باتت تُشهر في كثير من الوقفات، وهي بمثابة تعاهد قبلي على البراءة من العملاء والثبات على الموقف الوطني، وتشكل في جوهرها عقداً اجتماعياً جديداً بين القبيلة والدولة في زمن الحرب، يعزز وحدة الصف ويقطع الطريق على محاولات التمزيق .حكمة الإيمان.. البعد الروحي في المعادلة
لا يمكن فهم هذا الحراك القبلي بمعزل عن البعد الإيماني الذي يضفيه عليه خطاب القيادة، ففي بيانات القبائل المتكررة، يتكرر “التفويض المطلق لقائد الثورة” و”التمسك بالنهج القرآني” و”الجهوزية للجهاد في سبيل الله”، هذا البعد الروحي هو ما يمنح الحراك القبلي زخمه واستمراريته، ويجعله يتجاوز الحسابات المادية الضيقة إلى أفق أوسع من التضحية والفداء.
وتقول بيانات القبائل إن خروجها “يأتي انطلاقاً من تمسكها بحقوق الشعب اليمني وسيادته وثرواته ورفضها محاولات إخضاع البلاد للوصاية والتبعية” ، وهنا يتقاطع العرف القبلي مع العقيدة الإيمانية في معادلة واحدة: نصرة الحق، ورفض الظلم، والثبات على المبدأ.ختاما
بعد أكثر من عقد على انطلاق ثورة 21 سبتمبر، يمكن القول إن القبيلة اليمنية خرجت من هذه المرحلة وهي أكثر تماسكاً وحضوراً مما كانت عليه قبلها، صحيح أن الحرب العدوانية والحصار أثقلا كاهل اليمن، لكنهما كشفا أيضاً عن مخزون هائل من الصلابة الاجتماعية والقدرة على التضحية، فالقبيلة التي كانت تُتهم أحياناً بأنها عصبية ضيقة من قبل من لم يعرفوا أصالتها، أثبتت في هذه المرحلة أنها قادرة على أن تكون جيشاً احتياطياً للوطن، وسنداً للأجهزة الأمنية، وحاضنة للمشروع الوطني.
وفي المشهد الأسبوعي المتكرر — قوافل تُقدَّم، ورجال يُسخَّرون، ونكفات تُعلن، ووثائق تُوقَّع — تتجلى حقيقة واضحة: أن اليمن الذي راهن أعداؤه على تمزيقه عبر القبيلة، وجد في القبيلة نفسها مصدر قوته ومنبع صموده، وهذا، في المحصلة، ليس مفارقة تاريخية، بل هو جوهر الحكمة اليمانية التي عرفها اليمنيون منذ القدم: أن القبيلة حين تلتقي مع الإيمان، تصبح قوة لا تُقهر.