مَعْبَد أَوَام في مَأْرِب: “مَحْرَم بَلْقِيس” أعظم الشواهد الدينية على حضارة مملكة سَبَأ.

استكمالاً لإبراز الآثَار الْيَمَنِيَّة وَالْمَوَاقِع وَالْحُصُوْن والقلاع الأثرية الَّتِي نتكلم عَنْهَا تباعًا، فِيْ هَذِهِ الصَّفْحَة، نكتب اليَوْم عَن أهم الْمَوَاقِع الْيَمَنِيَّة الأثرية الْقَدِيْمَة، وَهُوَ معبد أوام الكائن فِيْ مأرب وَالَّتِي بُني فِيْ عهد دَوْلَة سَبَأ، ففيما يلي نُبْذَة عنه.

يمانيون / صالح مقبل فارع.

 

أولًا: الاسم والتعريف بالموقع:

يُعد معبد أوام، المعروف محليًا باسم مَحْرَم بلقيس، واحدًا من أبرز المعالم الأثرية في اليمن القديم، ومن أهم الشواهد على تطور العمارة الدينية في مملكة سبأ. وقد كان المعبد مركزًا دينيًا مهمًا مخصصًا لعبادة الإله السبئي الْمَقَّة، الذي احتل مكانة محورية في المعتقدات الدينية السبئية.

ولا تقتصر أهمية المعبد على مبناه الضخم، بل تشمل النقوش المسندية والمنشآت المعمارية واللقى الأثرية التي تساعد على فهم الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية في مملكة سبأ. وقد وصفته دراسات أثرية بأنه من أشهر المنشآت المعمارية الدينية في جنوب الجزيرة العربية قبل الإسلام.

 

ثانيًا: الموقع الجغرافي:

يقع معبد أوام في محافظة مأرب، جنوب شرقي مدينة مأرب القديمة، ضمن نطاق الواحة التاريخية التي قامت عليها عاصمة مملكة سبأ.

وقد ساعد موقعه في محيط الواحة الزراعية على ارتباطه بالمركز السياسي والاقتصادي للمملكة، كما كان جزءًا من منظومة دينية ضمت معابد ومواقع مقدسة أخرى في مأرب، من بينها معبد برآن ومعبد حرون.

وتكشف هذه المواقع مجتمعة عن وجود تخطيط ديني وعمراني متقدم، ارتبط بالمراكز السكانية والطرق والمسارات التي كانت تسلكها الوفود والزوار لأداء الشعائر.

ثالثًا: الجذور التاريخية لمعبد أوام:

ترجع أقدم النقوش المعروفة المرتبطة بسور المعبد إلى نحو القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد، بينما تشير الدراسات إلى أن أجزاء من المنشأة مرت بمراحل بناء وتوسعة وإصلاح متعاقبة.

وترد في النقوش أسماء حكام سبئيين وشخصيات شاركت في بناء أجزاء من المعبد أو تجديدها، وهو ما يتيح للباحثين تتبع مراحل تطور الموقع وعلاقته بتاريخ المملكة.

ومن المهم التنبيه إلى أن تاريخ المعبد لا يُختزل في تاريخ واحد؛ فالمجمع المعماري تطور على مراحل، ولا تزال بعض تفاصيل نشأته الأولى موضع دراسة ومناقشة بين علماء الآثار.

 

رابعًا: العمارة والتخطيط الهندسي:

من أبرز الخصائص المعمارية لمعبد أوام السور البيضاوي الكبير الذي يحيط بالحرم المقدس، وهو عنصر يمنح الموقع مظهره المميز بين المعابد القديمة في جنوب الجزيرة العربية.

وقد شُيّد السور باستخدام كتل حجرية مشذبة بعناية، مع حشو داخلي من الحجارة الأصغر، بما يعكس معرفة متقدمة بتقنيات البناء الحجري.

ويضم المجمع كذلك بقايا قاعات وأعمدة ومداخل ودرجات ومنشآت مرتبطة بالطقوس الدينية. وقد كشفت التنقيبات عن أجزاء معمارية ضخمة ونقوش وقطع فنية من البرونز والمرمر، تساعد على فهم أساليب البناء والزخرفة لدى السبئيين.

 

خامسًا: الوظيفة الدينية والاجتماعية:

كان معبد أوام مكرسًا لعبادة الإله السبئي الْمَقَّة، وتشير النقوش والدراسات إلى دوره بوصفه مركزًا للشعائر والنذور والتقرب الديني.

ولم تكن المعابد في الممالك اليمنية القديمة أماكن للعبادة وحدها؛ فقد ارتبطت كذلك بالنظام الاجتماعي والسياسي، وبممارسات تقديم القرابين والنذور، وتوثيق أعمال البناء والتبرعات والعهود.

ومن خلال النقوش المكتشفة في المعبد ومحيطه، يستطيع الباحثون دراسة أسماء الأشخاص والحكام، وصيغ التعبد، وبعض مظاهر التنظيم الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع السبئي.

 

سادسًا: النقوش المسندية وأهميتها التاريخية:

تُعد النقوش المسندية من أثمن مصادر دراسة معبد أوام؛ فهي تقدم معلومات عن أسماء الحكام والبنّائين والمتعبدين، وعن مراحل البناء والتجديد، وعن اللغة والمعتقدات والممارسات الاجتماعية.

وتكمن أهميتها في أنها تمثل مصادر تاريخية مباشرة من داخل المجتمع السبئي، بخلاف الروايات اللاحقة التي قد تختلط فيها الأخبار التاريخية بالتقاليد الشعبية.

وتتيح المقارنة بين النقوش واللقى الأثرية والعمارة إعادة بناء جوانب من تاريخ المملكة، مع ضرورة فحص كل نقش في سياقه الزمني واللغوي والأثري قبل استخلاص النتائج منه.

 

سابعًا: مقبرة معبد أوام:

يرتبط بالمعبد نطاق جنائزي أثري يضم مقابر تعود إلى الألف الأول قبل الميلاد. وقد تناولت دراسات متخصصة تصميم هذه المقابر وما تكشفه من عادات الدفن والمعتقدات المتعلقة بالموت وتكريم الأسلاف.

وتساعد البقايا البشرية واللقى الجنائزية والنقوش على دراسة الفوارق الاجتماعية، وبعض جوانب الحياة الدينية، ومكانة المتوفين داخل المجتمع السبئي.

ولهذا لا تقتصر القيمة الأثرية للموقع على الحرم الديني، بل تشمل أيضًا محيطه الجنائزي وما يحتويه من أدلة على الممارسات الاجتماعية والثقافية في مأرب القديمة.

 

ثامنًا: معبد أوام وعلاقته ببلقيس:

اشتهر المعبد في الذاكرة الشعبية باسم مَحْرَم بلقيس، وارتبط اسمه بالتقاليد التي تصل مملكة سبأ بالملكة بلقيس الواردة في الروايات الدينية والتراثية.

غير أن هذه التسمية الشعبية لا تثبت أن الملكة بلقيس بنت المعبد أو استخدمته شخصيًا؛ إذ لا تتوافر أدلة أثرية قاطعة تسمح بإثبات هذه النسبة على وجه التحديد.

ومن المنهج العلمي التمييز بين الاسم المتداول في التراث الشعبي وبين ما تؤكده النقوش والتنقيبات الأثرية. وتبقى القيمة التاريخية للمعبد قائمة بذاتها، حتى دون ربطه بشخصية تاريخية بعينها.

 

تاسعًا: الاكتشافات والتنقيبات الأثرية:

حظي معبد أوام باهتمام بعثات أثرية متعددة، ومن أبرزها البعثة التي قادها ويندل فيليبس في أوائل خمسينيات القرن العشرين.

وقد ساعدت أعمال التنقيب على كشف أجزاء من القاعات والأعمدة والدرجات، إلى جانب عدد من النقوش واللقى الفنية. لكن أعمال البعثة توقفت بصورة مفاجئة بسبب اضطرابات ميدانية، ما ترك بعض الأسئلة الأثرية دون إجابات نهائية.

وأصبحت نتائج هذه الأعمال جزءًا من الدراسات الحديثة التي تتناول تاريخ المعبد وهندسته ووظيفته الدينية، فيما تظل الحاجة قائمة إلى مزيد من البحث العلمي المنظم لحماية الموقع وتوثيق عناصره.

عاشرًا: القيمة الحضارية للمعبد:

يمثل معبد أوام شاهدًا مهمًا على التقدم الذي بلغته مملكة سبأ في مجالات البناء والحجر والنحت والكتابة والتنظيم الديني.

وتتجلى قيمته الحضارية في عدة جوانب:

– القيمة التاريخية: توثيق مراحل من تاريخ مملكة سبأ وحكامها.

– القيمة المعمارية: إبراز تقنيات البناء الحجري والتخطيط الديني.

– القيمة الدينية: الكشف عن مكانة الإله الْمَقَّة في المعتقدات السبئية.

– القيمة الكتابية: حفظ نقوش مسندية تسهم في دراسة لغة اليمن القديم وتاريخه.

– القيمة الاجتماعية: إتاحة دراسة النذور والدفن وتكريم الأسلاف.

– القيمة الجغرافية: توضيح العلاقة بين المعبد والواحة والعاصمة والطرق القديمة.

وتندرج هذه الأهمية ضمن القيمة العامة لمواقع مملكة سبأ الأثرية في مأرب، التي أُدرجت على قائمة التراث العالمي عام 2023، وأُضيفت إلى قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر في العام نفسه.

 

الحادي عشر: التحديات وضرورة الْحِمَايَة:

تواجه المواقع الأثرية في مأرب تحديات متصلة بالنزاع المسلح، ومخاطر النهب والحفر غير المشروع، والتعرية الطبيعية، وصعوبة تنفيذ برامج الصيانة والتوثيق بصورة مستمرة.

ويحتاج معبد أوام إلى برنامج حماية متكامل يشمل التوثيق الرقمي والمعماري، ومراقبة حالة الأحجار والنقوش، وتنظيم الوصول إلى المناطق الحساسة، وتطوير التعاون بين الجهات اليمنية المختصة والمؤسسات العلمية الدولية.

كما ينبغي تعزيز الوعي المجتمعي بقيمة الآثار، لأن حماية الموقع لا تقتصر على صيانة مبانيه، بل تشمل المحافظة على سياقه التاريخي ومنع نقل القطع الأثرية أو العبث بطبقاتها الأصلية.

 

– خاتمة:

إن معبد أوام ليس مجرد أطلال حجرية في محيط مأرب، بل هو وثيقة حضارية مفتوحة تكشف جوانب من تاريخ مملكة سبأ، وتطور عمارتها الدينية، ومعتقداتها، ونظامها الاجتماعي، وقدرتها على تشييد منشآت ضخمة تركت أثرًا واضحًا في تاريخ جنوب الجزيرة العربية.

وتؤكد دراسة هذا الموقع أهمية الجمع بين الجغرافيا والتاريخ والآثار والنقوش في كتابة تاريخ اليمن القديم، كما تبرز ضرورة حماية التراث اليمني بوصفه جزءًا من الذاكرة الإنسانية المشتركة.

 

– بطاقة الموقع الأثري:

العنصر المعلومات
الاسم الأثري معبد أوام
الاسم الشائع محرم بِلْقِيْس
الموقع جنوب شرقي مدينة مأرب القديمة
الْمُحَافَظَة مأرب
الحضارة المرتبطة بِهِ مملكة سَبَأ
المعبود الرَّئِيْس الإله الْمَقَّة.
أقدم الشواهد الكتابية المعروفة القرنان الثامن والسابع قبل الميلاد تقريبًا
أبرز العناصر المعمارية السور البيضاوي، القاعات، الأعمدة، المداخل والدرجات
أهم المكتشفات نقوش مسندية ولقى فنية ومعمارية
الوظيفة التاريخية دينية واجتماعية، مع ارتباط بالمؤسسات السياسية للمملكة
الوضع التراثي ضمن معالم مملكة سبأ المدرجة على قائمة التراث العالمي عام 2023
أبرز التحديات النزاع، والنهب، والتعرية، وصعوبات الحماية والصيانة

 

– المراجع

  1. مركز التراث العالمي باليونسكو: معالم مملكة سبأ القديمة في مأرب.
  2. المتحف الوطني للفن الآسيوي، مؤسسة سميثسونيان: التنقيبات في معبد أوام.
  3. Harrell, 2007: أحجار البناء والزخرفة في معبد أوام.
  4. Maraqten, 2015: الأماكن المقدسة في اليمن القديم – معبد أوام.
  5. Mancarella, 2016: مقبرة معبد أوام في مأرب.

* * *

 

You might also like