رسالة اليمن الى العالم

الاقتصاد السعودي ….. ما بعد انهيار أسعار النفط

يمانيون – متابعات

ينظر إلى أن تسارع الأحداث منذ بداية شهر مارس الماضي الى يومنا، فيما يسمى بحرب الأسعار وإغراق السوق العالمية بالنفط يأتي في اطار مدروس ومخطط مسبقاً، وليس في اطار صراع عالمي بين الأطراف الرئيسية في صناعة النفط، ولن يكون مستغربا أن تتصدر السعودية تلك الحرب في إطار مساعيها المستمرة لإستعادة الريادة في سوق النفط كما كان عليه الوضع خلال العقود الماضية.

ولكن ما حدث من انهيار كبير وغير مسبوق خلال الأيام القليلة الماضية يضعنا امام كثير من الشك لما ستؤول إليه الأوضاع مستقبلاً، خاصة وأن حرب الأسعار تأتي في أوج أزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة نجمت عن جائحة فيروس كورونا، ويبقى السؤال الأهم في هذه الحرب عن مدى توافق الاستراتيجية السعودية مع اتفاق تحالف “أوبك+”؟، هل يصمد اتفاق تحالف “أوبك+” بعد انهيار أسعار النفط مؤخراً؟، ما مقدرة الاقتصاد السعودي على البقاء صامدا أمام حرب الأسعار الحالية؟.

الاستراتيجية ومسار الأزمة

خلال مراحل زمنية سابقة دخلت الرياض في العديد من حروب أسعار النفط ولم تكن المرحلة الحالية هي الأولى، ولكن من الصعب القول أن الوضع الحالي يشبه ما كان عليه الوضع خلال الأزمات في العام 1986م ومن ثم في 1997 وأخيرا في العام 2014م، على الرغم من تعدد اطراف الصراع في تلك المراحل إلا أن مسار الأزمة لم تختلف كثيرا حيث كانت السعودية تعمل على تكثيف إنتاجها من النفط وزيادة المعروض في السوق العالمية، وبالتالي الأضرار بالمنافسين بصورة مباشرة وكانت الأزمات تنتهي بنتائج متشابهة ،إلى حدا كبير، بالتوافق ما بين المنتجين لإعادة التوازن والهدوء إلى سوق النفط العالمي.

ولكن الفارق في الأزمة الحالية يختلف جذريا لكونها ليست نتيجة خلاف ما بين كبار المنتجين سواء من داخل منظمة أوبك أو من خارجها، ولكن الأزمة الحالية مرتبطة بانتشار وباء كورونا الذي ضرب في كل اتجاه ولم يستثني أحد، وأصاب الاقتصاد العالمي المعتمد على النفط بالركود والشلل في أبرز القطاعات كالصناعة والنقل والزراعة وغيرها من القطاعات الحيوية.

ما زاد الطين بله في أزمة حرب الأسعار أن بداية مسار انخفاض الأسعار ، قبل أن تنهار حاليا، قد سبق تفشي جائحة كورونا التي دفعت دول العالم إلى الدخول في الحجر الصحي وإغلاق الحدود ومنع السفر، وهو ما أسهم في تعميق انخفاض الطلب العالمي على النفط بحوالي الثلث من كمية الإنتاج الاجمالية المقدرة بحوالي 100 مليون برميل من النفط يومياً في نهاية 2019.

الانهيار الكبير وصمود الاتفاق

لم يتبق على دخول اتفاق تحالف “أوبك+” حيز التنفيذ سوى أيام قليلة وتحديدا في بداية شهر مايو القادم وخرج الاجتماع باتفاق يقضي بتخفيض الإنتاج على عدة مراحل، والبداية بتخفيض 10 مليون برميل يومياً، لمدة شهرين وتحديدا إلى نهاية شهر يونيو 2020 ومن ثم يتم التخفيض في المرحلة الثانية في الأشهر الستة التالية بمقدار 8 مليون برميل يومياً، ويتبع ذلك تخفيض أخر قدره 6 مليون برميل يومياً لمدة عام ونصف تنتهي في نهاية شهر أبريل من عام 2022، وفي المجمل حقق الاتفاق نجاحاً غير مسبوق منذ تأسيس منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” لكونه أحداث توافق واسع ما بين المنتجين داخل المنظمة وخارجها بهدف إعادة التوازن لأسواق النفط من خلال ايقاف انهيار الأسعار كبداية ومن ثم الاتجاه بالأسعار نحو الارتفاع.

اعتبر العديد من خبراء النفط أن السعودية قد حققت الكثير من مصالحها من الاتفاق لاسيما وانه يمثل بداية جديدة لسوق النفط مع الزام مجموعة من الدول المنتجة والمصدرة للنفط وفي مقدمتها الولايات المتحدة الدخول في اتفاقات مع تحالف دول “أوبك+” لإعادة التوازن لسوق النفط العالمي، وعلى الرغم من أهمية هذا الاتفاق إلا إن هناك شكوك بشأن تحسن الأسعار وهو ما يعكس جملة من التحديات أمام الاتفاق منها:-

o انهيار أسعار النفط عند سالب 37.63 دولار للبرميل للعقود الآجلة للنفط الخام الأمريكي، القى بظلاله على مستقبل الاتفاق الذي لم يمضي عليه سوى أيام قليلة .

o لا يتناسب تخفيض الإنتاج مع قرارات الحجر الصحي بسبب جائحة فيروس كورونا والتي انعكست على أبرز القطاعات كالصناعة والنقل في بلدان كثيرة حول العالم، لاسيما أن التوقعات تشير أن انخفاض الطلب قد يصل إلى ثلاثين مليون برميل يوميا خلال الربعين الثاني والثالث من هذا العام، بمعنى أن الاتفاق بخفض ما يقارب 24 مليون برميل يوميا على عدة مراحل ليست كافية للقضاء على بقية الفائض، بعد التخفيض، والمقدر بحوالي 10 ملايين برميل يوميا.

o أغلب شركات الإنتاج الأمريكية مستقلة والقانون يحظر إجراء أي صفقات أو تنسيق بشأن تحديد حجم الإنتاج على اعتباره شكلاً من أشكال التلاعب في الأسعار.

o تشير التهديدات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن إمكانية ايقاف شحنات النفط القادمة من السعودية، الكثير من الشكوك بشأن الالتزام بالاتفاق في حال استمرار الأزمة الحالية.

o سوف تظل الأسعار مرتبطة، ايجاباً أو سلباً، بالتطورات في أزمة جائحة فيروس كورونا، وعودة عجلة الاقتصاد العالمي للدوران كما كان سابقا.

التأثير المباشرة على الاقتصاد السعودي

تبدو العواقب كبيرة في حال بقاء أزمة أسعار النفط على الاقتصاد السعودي ومن غير الواضح حتى الأن كيف سيتعامل النظام السعودي مع الوضع الاقتصادي المنهك فالمشكلة الحالية معقدة فمن جهة انخفاض في الإيرادات ومن جهة أخرى ارتفاع في الإنفاق بسبب استمرار التداعيات الكارثية لانتشار جائحة كورونا عالميا.

وتتكشف الأزمة الاقتصادية في السعودية مع تراجع الإيرادات النفطية ويمثل قطاع النفط والغاز ما يصل إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي، وحوالي و70% من إيرادات صادراتها، ولم تقف الأزمة عند هذا الحد ولكنها امتدت لتشمل الإيرادات الغير النفطية خاصة مع اغلاق البلد كإجراءات احترازية لمواجهة جائحة كورونا

التهديدات القائمة

خلال السنوات الماضية، قبل أزمة النفط وجائحة كورونا، تآكل الاحتياطي الأجنبي في السعودية بصورة مخيفة وغير مبررة فالأرقام الرسمية السعودية تشير إلى أن الاحتياطي الأجنبي مع بداية هيمنة محمد بن سلمان على الحكم في السعودية كان يقدر بـ 732 مليار دولار أمريكي ومع نهاية 2019 لم يتبق سوى 499 مليار دولار أمريكي بمعنى ان السياسات القائمة على العنتريات والبعيدة عن الخطط الاستراتيجية المدروسة كلفت الخزينة السعودية ما يقارب 233 مليار دولار.

وتعكس لغة الارقام ملامح الأزمة الاقتصادية التي تعيشها السعودية اليوم، ويشير عدد من الخبراء الاقتصاديين أن الوضع الاقتصادي المتأزم دفع بالنظام إلى تغطية العجز في الميزانية من خلال اللجوء إلى فرض ضرائب على السلع الغذائية ورفع أسعار المشتقات النفطية والخدمات، بالإضافة إلى اللجوء إلى سياسة الاقتراض والدين العام.

يذكر أن الدين الصافي في السعودية يُتوقع أن يصل إلى ما يقارب 19% من الناتج المحلي الإجمالي للعام الحالي، فيما يتوقع أن يصل إلى 27% خلال 2021 وفي حال بقاء أزمة أسعار النفط دون تحسن خلال العامين القادمين يرى عدد من المراقبين أن الاقتراض سوف يكون هو الحل الأسهل للنظام السعودي ويتوقع أن يصل إلى ما يقارب 50% بحلول عام 2022.

وتبقى المخاطر كبيرة على مجمل الاقتصاد السعودي خاصة مع إجراءات الأغلاق الناتجة عن انتشار وباء كورونا وإيقاف أي خطط لفتح البلاد أمام الراغبين في أداء مناسك العمرة والحج، وبالتالي فقدان ما يقارب 12 مليار دولار من الإيرادات الناتجة عن دخول 10 مليون زائر إلى السعودية في العام الواحد، وهو ما يمثل نحو 20% من الاقتصاد غير النفطي في البلاد، وتشير التوقعات إلى أن الأكثر تضرراً من الأزمة هي قطاعات السياحة والسفر بالإضافة إلى قطاع النفط وصناعة البتروكيماويات.

ولم يكن مفاجئا، أن تنعكس أزمة الأسعار الحالية بصورة مباشرة على الميزانية الحالية، وفي هذا الإطار أعلنت الحكومة السعودية عن تخفيض بنسبة 5% من ميزانيتها بما يعادل 13.2 مليار دولار، ومسار الأزمة الاقتصادية يشير إلى أن التخفيض السابق لن يكون قادراً على سد الفجوة ما بين النفقات والايرادات، وبالتالي سوف يكون القرار بالذهاب باتجاه طلب الأموال من ما يسمى بالصندوق السيادي السعودي والمقدرة أصوله بنحو 320 مليار دولار.

المغامرة اليمنية

تعتبر حرب ابن سلمان العبثية في اليمن بمثابة ثقباً أسوداً الُتهمت من خلاله مقدرات الدولة السعودية، واستنزفت بشكل كبير الاحتياطي النقدي الذي تم ادخاره خلال العقود السابقة، وفي سياق هذا الطرح تشير نشره معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، والمعروف اختصاراً باسم (SIPRI)، إلى أن الإنفاق العسكري السعودي خلال 2009 – 2015 ارتفع بنسبة 72% ، وبحسب نشرة المعهد ارتفع واردات السعودية خلال الفترة (2014- 2018) بنسبة تقارب 192%، وتصدرت الرياض معدلات الإنفاق الخليجي على التسليح، بل أنها وصلت إلى احتلال المركز الثالث عالميا خلال الاعوام القليلة الماضية، وللتدليل على ارتفاع معدل الإنفاق العسكري في السعودية مع تدشين حربها في اليمن، نشير على سبيل المثال إلى أن الإنفاق العسكري في العام 2009 بلغ 38,2 مليار دولار، وخلال العام 2011 بلغ 48.5 مليار دولار، وأنفقت 67 مليار دولار في عام 2013، ومع بداية مغامرتها العسكرية في اليمن العام 2015 قفز الإنفاق العسكري إلى 87,2 مليار دولار، وفي 2016 انخفض الإنفاق الى 63.7 مليار دولار، وارتفع الإنفاق في 2017 ليصل إلى 69.4 مليار دولار، وتراجع الإنفاق في العام 2018 بمقدار مليار ونصف ليصل 67.6 مليار دولار، وفي العام الماضي 2019 واصل الإنفاق تراجعه إلى 51 مليار دولار امريكي.

ويبقى المواطن السعودي الضحية الأولى خاصة مع التراجع المستمر للناتج المحلي الإجمالي للفرد من عام إلى أخر ولن يكون من السهل الخروج من هكذا وضع، لاسيما أنه لا توجد خطط واضحة وواقعية بل أن هناك اندفاع غير مبرر نحو مزيد من الإنفاق العسكري المرتبط بالصراعات في المنطقة التي يديرها بن سلمان في كل من اليمن وليبيا.

اعلان دعم السلة الغذائية لرعاية اسر الشهداء
قد يعجبك ايضا