رسالة اليمن الى العالم

الليثيوم.. حرب اقتصادية من أجل السيطرة على الذهب الأبيض

مع تزايد الطلب على الليثيوم الذي يُستخدم في صناعة العديد من الأجهزة الإلكترونية الحساسة، زادت تطلعات الدول التي تمتلك احتياطات مهمّة من هذا المعدن النادر.

يدور صراعٌ على الليثيوم بين الولايات المتحدة الأميركية والصين التي ترى أن المستقبل يكمن في أسواق البطاريات التي تمثّل عقدة الانتقال نحو مصادر طاقة بديلة، على الرغم من بعض التحفظات على البيئة.

“ماسك” يتسلل إلى عالم تعدين الليثيوم

اشتكى الرئيس التنفيذي لشركة تسلا، إيلون ماسك، من ارتفاع سعر الليثيوم والذي يدخل في تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية، لذلك اقترح ماسك دخول شركته على خطّ تعدينه.

قرار ماسك جاء بعد تخوّفه من تأثير ارتفاع سعر الليثيوم على تكلفة إنتاج السيارات، حيث ارتفعت أسعاره بنحو 488% خلال العام الماضي من 17,000 دولار للطن حتى نحو 55.000 ألف دولار.

وبحسب موقع “كوارتز” الاقتصادي، فإنّ متوسط السيارة الكهربائية تحتاج إلى حوالى 10 كيلوغرام من الليثيوم، وفي المقابل، ينتج كل 5.3 طن من خام كربونات الليثيوم طن واحد فقط من المادة.

وكغيره من السلع اضطرب الليثيوم ارتفاعاً أعقاب العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا. رغم أنّه انخفض عند انتشار فيروس كورونا ووصل إلى مستوياتٍ متدنية نحو 6.8 ألف دولار للطن الواحد.

بدوره، أكّد الرئيس التنفيذي لشركة رايفيان أوتوموتايف، RJ Scaringe، لصحيفة وول ستريت جورنال، أنّ صناعة تعدين الليثيوم ليست جاهزة بعد لتقديم إمدادات من هذه المعادن بكميات ضخمة، مبيناً أنّ 90 إلى 95% من سلسلة التوريد غير موجودة حتى الآن.

وذكر موقع  CNBC الأميركي، أنّه توجد بالفعل رواسب من الليثيوم في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وفقاً لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية.

وضمنت شركة تسلا حقوقها في تعدين الليثيوم في ولاية نيفادا بعد فشل صفقة شراء شركة تعدين الليثيوم، وفقاً لـ Fortune التي كانت تضم “أشخاصاً على دراية بالموضوع”.

واشترى ماسك حقوق رواسب الليثيوم في نيفادا آملاً خفض التكاليف بنسبة 33% لكن الخبراء يقولون إن الأمر سيستغرق “ثلاث إلى أربع سنوات لرؤية الإنتاج، وليس بالسهل استخراج المعدن من الرواسب لأنّ طرقه بطيئة وغير فعالة حيث يعمل المخترع تيك إيغان صاحب شركة “إنيرجي إكس” مع العلماء على مرشح يتألف من جسيمات بالغة الصغر “نانوية” يمكنه فصل الليثيوم عن الأملاح الأخرى في المحلول ويسترد أكثر من 90% من الليثيوم، وفق “بي بي سي”.

وإذا ثبتت فعاليته، فيمكن أن يقلل من تكلفة الليثيوم، ويزيل أحد أكبر العراقيل أمام تكثيف إنتاج البطاريات.

الصين المستهلك الأول لـ الليثيوم

يهدد التمدّد الصيني في مجال سلاسل توريد الليثيوم الولايات المتحدة الأميركية حيث تملك الصين 51% من أكبر حقل ليثيوم في أستراليا، كذلك وقّعت شركة Yibin Tianyi الصينية اتفاقاً مع شركة Pilbara Minerals الأسترالية، لشراء الشركة الصينيّة 40 ألف طن من الليثيوم في صفقةٍ ضعيفة القيمة نسبياً، تبلغ قيمتها 15 مليون دولار مدفوعة مسبقاً.

الصفقة جاءت بعد توتّر العلاقات بين الصين وأستراليا عام 2020، على خلفيّة مطالبة الأخيرة بتحقيق دولي في ما يخصّ فيروس كورونا، الذي اعتبرته الصين اتهاماً لها ويخدم الضغط لعزلها عن العالم، يأتي هذا الاتفاق كدلالة على انفراج في العلاقة التي تدهورت إلى حدّ الحرب التجارية بين البلدين.

وتسعى الصين إلى الاستحواذ على حصّة سوقية أكبر في مجال الطاقة المتجددة أو السيارات الكهربائية الأولى عالمياً. وتصرّح الولايات المتحدة عن انزعاجها من الصين بشأن الليثيوم، فتقول: “بلدٌ واحد يتحكّم في أكثر من 80% من سلسلة التوريد العالمية للمعادن النادرة والمهمة لصناعة السيارات الكهربائية ومكوّنات توربينات الرياح”.

وتسيطر الصين حالياً على أصول كبيرة من الليثيوم في أميركا الجنوبية، وحققت أعمالها ما يقرب من 4.5 مليار دولار في استثمارات الليثيوم على مدى السنوات الـ3 الماضية في أميركا الجنوبية والمكسيك.

بوليفيا وانقلاب الليثيوم.. فتّش عن المصالح الاقتصادية

يُعد عنصر الليثيوم أهم موارد بوليفيا الطبيعية، وتقول إنّ لديها 70% من احتياطيات المعدن في العالم، معظمها في صحراء سالار دي أيوني المالحة، لكن بوليفيا لم تستطع تطوير صناعة هذا المعدن من تلقاء نفسها لصعوبة التعدين والتكرير، فهذا المجال يتطلّب رأس المال والخبرة.

لذلك ومنذ وصول الرئيس السابق إيفو موراليس إلى الرئاسة في عام 2006، حاولت الحكومة إيقاف النهب  الذي تمارسه الشركات المتعددة الجنسيات والتي استحوذت على العديد من مشاريع التعدين من بعض الشركات الأكثر نفوذاً، باعثةً بذلك رسالة مفادها أن العلاقة الاستغلالية ستتوقف.

على مدى الثلاثة عشر عاماً الماضية، حاول موراليس جعل الشعب يستفيد من الموارد بدلاً من أن تستثمرها الشركات الأجنبية وقد تحقّق هذا الوعد جزئياً. واشتغل موراليس على تأميم المصانع التي تستخرج هذه المادة، إنّ هذا الموقف الذي اتخذته حكومة موراليس تجاه الشركات المتعددة الجنسيات، أدى إلى رد فعل قاسٍ من قبلها، وكثير منها رفعت دعاوى ضد حكومة بوليفيا، ولم يغب موضوع الليثيوم عن النقاش في شأن الانقلاب الذي قادته واشنطن ضدّ الزعيم البوليفي إيفو موراليس عام 2019.

لم يُعمِّر المشروع الانقلابي في بوليفيا طويلاً حيث أطاح مرشّح اليسار البوليفي، لويس آرسي، بحلم الولايات المتحدة طمحت بوضع يدها عبر شركاتها، على أكبر احتياطي استراتيجي من الليثيوم في العالم.

تسعى شركات أميركية ناشئة في ولاية تكساس الأميركية، التي تعمل على استكشاف إمكانية استيراد الليثيوم البوليفي، لاستكشاف الفرصة المحتملة لاستثماره.

وقالت المشرفة في مكتب البحوث الاقتصادية بجامعة تكساس، ميشيل ميتشوت فوس، إنّ وجود الليثيوم في مسطح ملحي يسهل الوصول إليه أكثر من الليثيوم المغطى بالصخور في المكسيك.

كما أنّ أصابع الاتهام تلاحق الرئيس التنفيذي لشركة تسلا، إيلون ماسك الذي كتب في “تويتر ” رداً على أحد منتقديه: سننفّذ انقلاباً ضدّ من نشاء.. تعايش مع الأمر”. (حذف ماسك التغريدة بعد ساعات)، ليعود وينشر تغريدة أخرى بعدها يقول فيها إنّ شركة “تسلا” تشتري الليثيوم من أستراليا.

المكسيك وتشيلي: الليثيوم لن يخضع للخصخصة

تنبّه الرئيس المكسيكي، أندريس مانويز أوبرادور، لأهمية معدن الليثيوم، لذلك صرّح في شباط/فبراير الماضي أنّه سيؤسس شركة مملوكة للدولة لتعدين الليثيوم، مما يشير لتحقيق هدفه في جعل الليثيوم “معدناً استراتيجياً” وأن يحتفظ بأعمال التنقيب والتعدين المستقبلية للحكومة.

لم يكتف مانويز أوبرادور  بهذا الحد بل ذهب إلى عدم السماح للشركة الصينية في ولاية سونورا الشمالية بتعدين الليثيوم وحوّل العمل إلى الحكومة.

بدورهم، أقرّ المشرعون المكسيكيون خطّة لتأميم مادة الليثيوم الحيوية، بعد أن طرح الرئيس مشروعاً لإصلاح قانون التعدين بهدف استغلال الشركات الحكومية لهذا المعدن بشكل حصري دون مشاركة القطاع الخاص، لكن البرلمان صوّت ضد المشروع في الـ 17 من نيسان/أبريل الجاري، ورفض النواب مشروعه الطموح بإجراء تعديل دستوري لتعزيز دور الدولة في قطاع الكهرباء، وهو إصلاح ترفضه الولايات المتحدة، وتخشاه إسبانيا التي تملك شركاتٍ تعمل في قطاع الكهرباء في المكسيك.

ومع ذلك فإن الاستثمار في المكسيك لن يكون له تأثيرٌ مباشر في السوق العالمية، لمحدودية تأثيره حيث يبلغ احتياطيها 1.7 مليون طن فقط.

قالت شركة “باكانورا ليثيوم” التي تسيطر عليها شركة “غانفنغ ليثيوم” الصينية إنها تمضي قدماً في بناء أول منجم في المكسيك حتى بعد أن وضعت الحكومة خططاً لوقف منح الشركات الخاصة العقود.

ولم تبدأ المكسيك بإنتاج الليثيوم بعد، فيما الجدوى الاقتصادية والتأثير البيئي لتعدينه لا تزال غير واضحة.

أما في تشيلي، أكبر منتج لليثيوم بعد أستراليا، يريد الرئيس غابرييل بوريك، إنشاء شركة ليثيوم حكومية، إذ تضع الدولة دستوراً جديداً يرسّخ لحقوق المجتمعات المحلية والبيئة.

وتظاهر التشيليون قبل فترة احتجاجاً على خطّة حكومية لبيع عقود استخراج الليثيوم، المتظاهرون دعوا إلى الاحتجاج تحت شعار “لاستعادة مواردنا”، وذلك على خلفية إطلاق مزايدة على عقد مدّته 20 عاماً لاستخراج 400 ألف طن من الليثيوم.

وتستخرج تشيلي هذا المعدن في موقع “سالار دي أتاكاما” شمال البلاد. وهو واحد من أغنى حقول الليثيوم في العالم وتستثمره الشركة التشيلية “إس كيو إم” والشركة الأميركية “ألبرمارلي”.

قد يعجبك ايضا