السجون كمسرح استعراض.. كيف يحول الصهاينة المعتقلات إلى منصات إذلال للأسرى الفلسطينيين؟

يمانيون | تقرير
في تحولات متسارعة تعكس طبيعة المرحلة الراهنة من الصراع، لم تعد السجون في كيان الاحتلال الصهيوني مجرد مرافق احتجاز، بل تحولت إلى منصات عرض سياسي ونفسي تُستخدم لإعادة صياغة معادلات القوة والردع.

المشاهد التي يظهر فيها مسؤولون صهاينة وهم يتجولون داخل المعتقلات بغطاء إعلامي كثيف تعكس انتقالًا من إدارة القمع في الظل إلى استعراضه في العلن، بما يحمله ذلك من رسائل تتجاوز حدود الجغرافيا الضيقة للسجن إلى فضاء الصراع الإقليمي والدولي.

استعراض القوة وتحويل السجن إلى مسرح دعائي

الزيارات الاستفزازية التي قام بها وزير الأمن القومي في كيان الاحتلال إيتمار بن غفير إلى سجون تضم أسرى فلسطينيين، وعلى رأسها سجن عوفر، لم تكن مجرد إجراءات بروتوكولية.

حضور الإعلام المكثف وتوثيق التفاصيل الدقيقة يشيران إلى أن الحدث صُمم ليكون رسالة بحد ذاته.

في هذا السياق، يصبح السجن مسرحًا دعائيًا يُعاد عبره إنتاج صورة التفوق والسيطرة.

فاستباق الإجراءات الأمنية باستدعاء الكاميرات يكشف أن الهدف المركزي هو صناعة مشهد رمزي يرسخ في الوعي الجمعي، ويبعث برسالة ردع تتعمد الإذلال العلني للأسرى وتحويل معاناتهم إلى مادة استهلاكية إعلامية.

تطبيع الإذلال كسياسة معلنة

التحول الأخطر يتمثل في انتقال ممارسات كانت تُعد محرجة عند انكشافها إلى سياسة معلنة لا تجد حرجًا في عرض نفسها.

هذا المسار يعكس تطبيعًا تدريجيًا للقسوة، حيث يجري تقديم إجراءات قمعية بوصفها جزءًا من إدارة يومية اعتيادية.

وتكتسب هذه الديناميكية بعدًا إضافيًا عندما تتقاطع مع مشاهد حضور بن غفير في محيط منشآت تابعة لـ الأمم المتحدة في القدس، بما يحمله ذلك من تحدٍ رمزي لمؤسسات يفترض أنها تمثل الشرعية الدولية.

الرسالة الضمنية هنا تتعلق باختبار حدود المساءلة: إلى أي مدى يمكن الذهاب في التصعيد دون مواجهة رد فعل مؤثر.

هندسة الرسائل النفسية وإعادة تعريف الصدمة

استدعاء وسائل الإعلام لتغطية إجراءات قاسية بحق الأسرى لا يخدم فقط أهدافًا داخلية، بل يندرج ضمن استراتيجية اتصال أوسع تسعى إلى إعادة تعريف حدود الصدمة.

تكرار هذه المشاهد يحول ما كان يُعد استثنائيًا إلى أمر مألوف، ويخفض تدريجيًا مستوى الحساسية العامة تجاه الانتهاكات.

هذه العملية تمثل شكلًا من “الهندسة النفسية” للصراع، حيث تُستخدم الصورة كأداة لإعادة تشكيل إدراك الجماهير، ودفعهم إلى التعايش مع مستويات أعلى من العنف الرمزي والمادي.

ومع مرور الوقت، يصبح الخبر الصادم حدثًا عابرًا، ما يفتح المجال أمام خطوات أكثر حدة في المستقبل.

دلالات الصمت وردود الفعل المحدودة

مرور هذه الوقائع دون مستويات مرتفعة من التنديد الرسمي أو الشعبي يثير تساؤلات حول فعالية منظومات الضغط التقليدية.

فضعف الاستجابة قد يُقرأ في دوائر صنع القرار الصهيونية بوصفه ضوءًا أخضر لمزيد من التصعيد.

هذا الصمت النسبي لا يؤثر فقط في ميزان الردع، بل ينعكس أيضًا على البعد الإنساني للصراع.

إذ تتآكل تدريجيًا المعايير التي يفترض أن تحكم التعامل مع الأسرى، ويتحول الجدل من إدانة الانتهاك إلى نقاش حول حدوده، وهو تحول يحمل مخاطر بعيدة المدى على منظومة القيم الإنسانية.

السجون كمؤشر على مسار الصراع القادم

تاريخ الصراعات يشير إلى أن طريقة إدارة ملف الأسرى غالبًا ما تكون مؤشرًا مبكرًا على الاتجاه العام للسياسات المقبلة.

استخدام السجون كمنصات استعراض يوحي بمرحلة تسعى فيها القيادة الصهيونية إلى تثبيت معادلات ردع جديدة تقوم على العلنية والرسائل الصادمة.

هذا المسار قد يقود إلى تصعيد تدريجي في السياسات الميدانية، مستندًا إلى افتراض أن ردود الفعل ستظل ضمن حدود يمكن احتواؤها.

وفي ظل غياب آليات مساءلة فعالة، تتحول السجون إلى مختبر تُختبر فيه حدود الممكن سياسيًا وأمنيًا.

ختاماً

تكشف مشاهد الاستعراض داخل السجون الصهيونية عن جوهر المشروع القائم على القمع والإذلال المنهجي.

غير أن هذه السياسات، بدل أن تُخضع الشعوب، تعمّق وعيها بحتمية المواجهة مع الاحتلال.

وبينما يراهن قادة الكيان على تطبيع جرائمهم عبر الإعلام، تؤكد وقائع الصراع أن إرادة المقاومة تظل العامل الحاسم في كسر معادلات الهيمنة وفرض معايير العدالة.

You might also like