رسالة اليمن الى العالم

معاركُ اللافتين للأنظار

عبد القوي السباعي

نعم أنت!!.. أنت لستَ كاملاً.. لستَ منزهاً من العيوب.. هذه هي الحقيقة التي يصعُبُ اليومَ على الكثير هضمها، ممّن هم في موقع المسئولية، سواءً في ميدانه الشخصي أَو في واقعه العملي، حتى وإن كان مدركاً أن كُـلّ شيءٍ في هذه الحياة هو نسبي وبمقدارٍ؛ لأَنَّ الصفات الكمالية هي ملكٌ لله -سبحانه وتعالى- وحده، لكن المشكلة عند البعض هي أن هذه ليست قاعدة ثابتة ولكنها عملية زاحفة ومزعجة، بالنسبة له خُصُوصاً إذَا ما تعلق الأمر بتوجيه النقد المباشر له أَو لطريقة أدائه العملي في موقع المسؤولية.

لا ننكر أن مصدرَ علة وإزعاج الناجحين والمتفوقين والمبدعين، وكذا الأشخاص الكماليين أَو مُدعو الكمال، على حَــدٍّ سواء، هم أُولئك الساعون إلى لفت الأنظار نحوهم، إمّا كذباً وافتراءً، وإمّا حقيقةً أَو جزءًا منها، وكذلك المتصيدون للأخطاء والهفوات، وأُولئك المتربصون وسارقوا المعرفة، وما ينتج عن نقدهم وتجريحهم واستهدافهم من حلقات صراعٍ لا تنتهي تدور في الوقت الحاضر في مختلف وسائل ومواقع التواصل الاجتماعي، وما يصاحبها من احتقان وتشويه متعمد، تصل أحياناً إلى تبادل الاتّهامات ونشر بعض السلبيات على أنها فضائح، تأتي أحياناً بأُسلُـوب عنيف وفج، وتنتهي بالدخول في ملاسنةٍ وسبابٍ، وغيره.

وأمام ذلك كله، وأنت في موقع المسؤولية، لا توجد طريقة لاجتياز مسار العقبات هذا بنجاح، دون القدرة على القفز فوق العقبة الأولى وهي التجرد من التعالي وادِّعاء الكمال، هذا من جهة، وألا تخوض في معارك هامشية، بل عليك الاستمرار بالنضال والبذل والعطاء والعمل، من جهةٍ أُخرى.

فقط.. اهدأ، أَو حاول أن تهدأ، وتذكر أنك في موقع المسئولية هذا إنما تعمل لله ومن أجل تسيير وإدامة نظام؛ مِن أجلِ حرية واستقلال دولة، وعزة أُمَّـة وكرامة شعب، ولست بحاجةٍ إلى من يقوم بتبييض أعمالك وأُسلُـوب إدارتك أمام الآخرين.

فالطريقة الوحيدة لتحويل صدمة النقد هذه إلى رافعة لترتيب أوضاعك هو أن تواصل نجاحك، دون أن تلتفت إلى ما يقوله عنك الآخرون، مدحاً أَو ذماً، وليس عيباً أن تعترف بأن القطاع الذي تخدم فيه، فعلاً يعاني من القصور وتراكم الأخطاء، وأن هناك سلبيات موجودة في مفاصل الإدارة عندك، وعليك أن تبدأ بالبحث عن الخلل ومعالجته والوقوف على أسبابه وظروفه وتلافي كُـلّ تلك الاشكالات مستقبلاً، بحيث لا تدع أية ثغرة يلج منها اللافتون للأنظار.

إذ لن يحكم أحدٌ على أحد، من قبيل الادِّعاء والتشويه فقط، بل أحياناً قد يكون ادِّعاء الآخرين هنا حافزاً للاعتراف بالحقائق والنجاحات التي حقّقتها؛ لأَنَّ الشجرة المثمرة فقط، هي التي تقذف بالحجارة، وليس عيباً إن أنت قدمت الاعتذار عن حقيقةٍ كانت موجودة فعلاً ولقيتها فرصة مواتية لإصلاحها من خلال سماعك للنقد، إذ لن يقلل هذا من شخصك، أَو ينزل من مستواك، بل على العكس، ففعلك هذا هو امتيَاز الناجحين والمتفوقين.

عُمُـومًا ليست المشكلة في أُولئك الذين يحاولون لفت الأنظار إليهم، عبر استهداف بعض المسئولين، هنا أَو هناك، فمواجهتهم بسيطة تتمثل بغض الطرف عنهم وعدم إعارتهم أي اهتمام، ودع الإنجازات فقط هي التي تتحدث عنك؛ لأَنَّ الدخول في معارك الدفاع والرد عنهم هي ترويج مجاني لادِّعاءاتهم أكثر، ولذلك ليسوا بمشكلة، غير أن المشكلة هي أن بعض المسئولين في معظم دوائرنا الحكومية أَو غير الحكومية، يكرهون النقد، ويكرهون قول الحقيقة.

لذلك ننصح ونقول: إن الإدارة التي لا تقوم على قول الحقيقة، هي إدارة غير راسخة، ولكنها راسخة في كذبة (سابر.. تمام.. كُـلّ شيء على ما يرام)، فهي إدارة ستتوقف عن العمل حرفياً، وفي النهاية لن يكون هناك ماء في الصنبور، وَإذَا ما تدفقت مجدّدًا بعد الركود، فستكون مياه سامة، وسيكون سعرها مكلف جِـدًّا.. والحليمُ تكفيه الإشارة.

قد يعجبك ايضا