معركة المصير بين القرآن والارتهان .. الشهيد القائد ومنهج إنقاذ الأمة
في زمنٍ تاهت فيه الأمة بين مشاريع مستوردة، وانهارت فيه البوصلة القيمية، واشتدّ فيه الارتهان للعدو تحت عناوين السياسة والمصلحة، برز الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي بوصفه صوتاً قرآنياً استثنائياً، أعاد طرح السؤال الجوهري: من أين نبدأ؟ وكانت إجابته حاسمة وواضحة، من القرآن وإلى القرآن، مؤسساً بذلك منهجاً قرآنياً متكاملاً، يرى في كتاب الله مشروع إنقاذ للأمة، وميزاناً لتشخيص واقعها، وطريقاً عملياً للخلاص من الخزي والضياع في الدنيا، ومن العذاب في الآخرة، وفي هذا المنهج التأسيسي ربط الشهيد القائد بين العلم والمسؤولية، والإيمان والموقف، والتوبة والتغيير، وقرأ الواقع بجرأة قرآنية صادقة، وشواهد تطبيق هذه الرؤية في اليمن، أثمرت جيلاً قرآنياً حافظ على هويته الإيمانية في وجه العواصف، وتحت هذا الفهم، جاءت مقولته المحورية : (( يجب أن نعتمد على القرآن ونتبعه حتى نستطيع أن ننقذ أنفسنا، ولكي نحظى برضوان الله سبحانه وتعالى))، بوصفها خلاصة منهج، لا شعاراً عابراً.
يمانيون / أعده للنشر / طارق الحمامي
الشهيد القائد يعيد تعريف غاية العلم
أعاد الشهيد القائد بناء مفهوم العلم من جذوره، رافضاً اختزاله في التحصيل الأكاديمي أو المعرفة النظرية، فالغاية العليا لطلب العلم، هي الارتقاء إلى مستوى تحمّل رسالة الله في الأرض، كما عبّر عنها القرآن الكريم في قوله تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ}، وبهذا الفهم، يصبح العالم مسؤولاً، ويغدو العلم أمانة لا حياد فيها، وقد شكّل هذا التصور أحد الأعمدة الأساسية للمنهج القرآني الذي أسّسه الشهيد القائد، حيث لا قيمة للمعرفة إن لم تُنتج موقفاً، ولا بركة في علم لا يحرّر الإنسان من الخوف إلا من الله.
المنهج القرآني وبناء الإنسان المتكامل
انطلق الشهيد القائد من القرآن في رسم ملامح الإنسان الذي تسعى الأمة إلى بنائه، مستحضراً النموذج القرآني للإنسان الناضج الذي يجمع بين الحكم والعلم، كما في قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا}، ومن هنا، قدّم منهجاً يربط بين التزكية والعقل، وبين الإيمان والوعي، رافضاً الفصل المصطنع بين الروح والواقع، فالمنهج القرآني ليس خطاباً منقطعاً عن الحياة، بل مساراً لبناء إنسان مسؤول، واعٍ، قادر على قراءة واقعه في ضوء هدى الله.
القرآن كأداة تشخيص وإنقاذ
تميّز خطاب الشهيد القائد بجرأته في تشخيص واقع الأمة، مستنداً إلى القرآن بوصفه ميزاناً إلهياً لتقييم الأحوال، فقد اعتبر أن ما تعيشه الأمة من ضعف وخزي نتيجة طبيعية لهجر القرآن، لا من حيث التلاوة، بل من حيث الفهم والاحتكام إليه، وفي هذا السياق، جاءت دعوته الصريحة إلى التوبة، لا بوصفها طقساً فردياً، بل مراجعة شاملة للمسار، وعودة واعية إلى كتاب الله، باعتبارها المدخل الوحيد للنجاة في الدنيا والآخرة، وقد شكّل هذا الطرح أحد أكثر ملامح مشروعه صراحة ووضوحاً، حيث وضع الأمة أمام مسؤوليتها دون مواربة.
التحول الواقعي للمشروع القرآني في اليمن
اليمن هو الساحة التي تجسّد فيها المنهج القرآني الذي أسّسه الشهيد القائد، حيث انتقلت رؤيته من دائرة التوجيه إلى واقع تربوي وثقافي ملموس، وقد أسهم هذا المنهج في نشوء جيل تشكّل وعيه على أساس القرآن، وفهمه كمرجعية للهوية والموقف، هذا الجيل القرآني، لم يُبنَ على أساس التعبئة المجردة، بل على إعادة ربط الإنسان بكتاب الله، وإعادة تعريف الإيمان بوصفه مسؤولية تاريخية، وهو ما انعكس في القدرة على الصمود، والحفاظ على الهوية الإيمانية في ظل ظروف شديدة التعقيد.
عواقب الخروج عن القرآن والارتهان للعدو .. الواقع العربي شاهداً
في مقابل المشروع القرآني الذي أسّسه الشهيد القائد بوصفه منهج إنقاذ للأمة، يطرح خطابه قراءة صارمة لعواقب الانفصال عن القرآن، ليس فقط على المستوى الروحي، بل على مستوى السيادة، والهوية، والقرار السياسي والاجتماعي، فالخروج عن القرآن انحراف حضاري يفتح الباب واسعاً أمام الارتهان للعدو، وفقدان الاستقلال، وتفكك المجتمعات من الداخل، وينطلق هذا التشخيص من قاعدة قرآنية واضحة مفادها أن الهداية ليست خياراً ثانوياً، وأن الإعراض عن هدى الله يقود إلى الضنك، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا}،
الارتهان للعدو كنتيجة طبيعية لهجر القرآن
في رؤية الشهيد القائد، لا ينفصل الارتهان للعدو عن حالة الفراغ القيمي والفكري الناتجة عن هجر القرآن، فحين يغيب المنهج الإلهي، تبحث المجتمعات عن بدائل، وغالباً ما تكون هذه البدائل مستوردة من قوى خارجية لا تحمل أي مشروع أخلاقي أو إنساني للأمة، ويُقدَّم العدو، في هذا السياق، لا بوصفه قوة عسكرية فقط، بل منظومة هيمنة ثقافية وسياسية واقتصادية، لا يمكن أن تجد موطئ قدم لها إلا في بيئة فقدت بوصلتها القرآنية، وتخلّت عن استقلال قرارها، وقبلت التبعية تحت عناوين براقة.
جنوب الوطن نموذجاً لتداعيات الانفصال عن المنهج القرآني
يُشار في هذا السياق إلى ما يحدث في جنوب الوطن بوصفه مثالاً حيّاً على نتائج الخروج عن القرآن كمنهج حياة، حيث يُقدَّم المشهد هناك كمحصلة طبيعية لفقدان المرجعية الإيمانية الجامعة، واستبدالها بالارتهان السياسي والأمني لقوى العدوان،
وفي هذا النموذج، لا يقتصر الأثر على الجانب السياسي، بل يمتد إلى تفكك النسيج الاجتماعي، وتآكل الهوية، وانتشار الفوضى الأخلاقية، وتحوّل الإنسان إلى أداة في صراع لا يملك قراره، ويُنظر إلى هذا الواقع باعتباره نتيجة مباشرة لغياب المشروع القرآني القادر على حماية المجتمع من السقوط في مستنقع التبعية.
الدول العربية .. الخروج عن القرآن ومآلاته
ولا يقتصر هذا التشخيص على حالة بعينها، بل يُسقَط أيضاً على الواقع العربي العام، حيث تُقدَّم أوضاع كثير من الدول العربية كشواهد على عواقب الابتعاد عن القرآن، والارتهان لمشاريع العدو الصهيوأمريكي، فمن فقدان السيادة، إلى تمزيق المجتمعات، إلى تحوّل الثروات إلى أدوات بيد العدو، هو نتيجة تغييب القرآن كمرجعية حاكمة، واستبداله بأنظمة وقيم لا تنتمي لهوية الأمة ولا تعبّر عن مصالحها الحقيقية، وفي هذا السياق، يستحضر الشهيد القائد السنن الإلهية التي تحكم حركة الأمم، مؤكداً أن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، وأن الانحراف عن المنهج الإلهي لا يمكن أن يقود إلا إلى مزيد من الضعف والاستباحة.
المنهج القرآني الخط فاصل بين العزة والضياع
من هنا، يضع الشهيد القائد المنهج القرآني كخط فاصل بين مسارين، مسار العزة والكرامة والاستقلال، ومسار الذل والتبعية والضياع، فالقرآن معيار يُقاس به موقع الأمة من الله، ومن أعدائها، ومن ذاتها، وبهذا الفهم، يصبح التمسك بالقرآن خياراً مصيرياً، لا ثقافياً فقط، ويغدو الخروج عنه انتحاراً حضارياً، مهما تعددت مبرراته أو تغيرت مسمياته.
ختاماً
في المحصلة يضع الشهيد القائد الأمة أمام معادلة قرآنية واضحة لا تحتمل الالتباس ، إما الاعتصام بكتاب الله منهجاً ووعياً وموقفاً ، وإما الاستمرار في مسار الضياع والارتهان بكل ما يحمله من خزي في الدنيا وخسارة في الآخرة، لقد أعاد الشهيد القائد للقرآن موقعه الطبيعي كمنهج للوعي وميزان للحركة ، وأساس لبناء الإنسان والأمة ، وربط بين الإيمان والمسؤولية، وبين العلم والبلاغ ، وبين التوبة والتغيير .