“رمضان اليمن” صمودٌ يرويه التكافل.. كيف تحوّل الحصار إلى وقود للإحسان والإيثار؟
من واقع الوعي بهذه الآية الكريمة ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) يتخذ اليمنيون بمختلف فئاتهم وشرائحهم من شهر رمضان محطة سنوية تشرئب إليه أفئدتهم لتجديد العهد على التكافل والإيثار والمواساه, يجسدون فيه أسمى معاني الصمود والتراحم, ويجعلون من أيامه المعدودة ميدانا خيرا يتسابقون على أعمال البر والإحسان والصلة, متحدين بذلك قسوة الحصار والعدوان, وفي قلب هذه المعاناة ما إن يشرق ضوء يوم ويغرب إلا ويحمل معه قصصاً تُبهر العالم عن صمودٍ لا يلين وتكافلٍ اجتماعيٍّ فريد، وبينما تتفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية، يرتفع صوت الإحسان والعطاء من كل بيت وشارع، لتثبت الأيادي والنفوس اليمنية أن روح التراحم أقوى من قسوة الظروف وأن المحنة يمكن أن تتحول إلى منحة للعطاء.
يمانيون| محسن علي
هذا العام، كما في الأعوام السابقة، تتحول موائد الإفطار إلى جسور للمحبة، وتتعدد المبادرات الشعبية والرسمية لترسم لوحة إنسانية بديعة، لا تكتفي بسد رمق الجائع، بل تعزز من تماسك النسيج الاجتماعي وتُبرز أروع صور التحدي والصمود في وجه الظروف التي فرضها العدوان واستمرار الحصار، فكيف يواجه اليمنيون قسوة الواقع بفيض من العطاء، وكيف يُصبح رمضان محطةً سنويةً لتجديد العهد على التكافل والإيثار؟
التكافل الاجتماعي في اليمن.. استجابة للصمود
يُعد التكافل الاجتماعي في اليمن خلال شهر رمضان المبارك تجسيدًا حيًا لقيم الإيمان والصمود والتحدي في مواجهة الظروف الصعبة التي يمر بها الشعب، ففي ظل استمرار الحصار والعدوان، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، تبرز المبادرات التكافلية كشريان حياة للعديد من الأسر، وأداة لتعزيز التماسك المجتمعي، إذ لا تقتصر على الجانب الإغاثي فحسب، بل تحمل في طياتها رسائل عميقة عن الإرادة الشعبية التي لا تفتها الظروف أو تزعزعها العواصف.
مبادرات رسمية وشعبية.. أيادي العطاء تمتد
تتنوع أشكال التكافل لتشمل جهودًا رسمية ومبادرات شعبية، تعمل جميعها على تخفيف المعاناة وتوفير الاحتياجات الأساسية للأسر المحتاجة والفقيرة ومن أبرز هذه المبادرات : مشاريع الهيئة العامة للزكاة (مسار الإحسان) حيث تضطلع بدور محوري في تنظيم وتوجيه العمل الخيري وحرصها على إيصال الزكاة إلى مستحقيها، حيث دشنت هذا العام1447هـ مشاريع رمضانية ضخمة تجاوزت تكلفتها 26 مليار ريال يمني, وتستمر في تنفيذ مشاريع الإحسان الرمضانية التي تشمل المساعدات النقدية، وتوزيع السلال الغذائية، ودعم المطابخ الخيرية، والكسوة العيدية والعينية , ومساعدات الغارمين , وكذلك مساعدات علاجية’ في إطار مصارفها الثمانية في مختلف المحافظات, متجاوزة أيضا الجغرافيا اليمنية مؤكدةً بذلك دور الزكاة كرافعة اجتماعية تنموية.
رعاية أسر الشهداء والمفقودين
تحظى هذه الفئة باهتمام خاص، حيث يتم تدشين مشاريع رمضانية مخصصة لهم، من قبل الهيئة العامة لرعاية أسر الشهداء والمفقودين ما يعكس الوفاء لتضحيات الشهداء والمفقودين ومع بداية دخول الشهر الكريم أطلقت مشاريع الإحسان لهذا العام بإجمالي 4.7 مليار ريال، شملت الكسوة العيدية لـ 60 ألف من أبناء الشهداء والمفقودين، والسلة الغذائية الرمضانية بالشراكة مع مؤسسة الشهداء، والإعاشة النقدية لأبناء وأرامل الشهداء في مختلف المحافظات.
المبادرات الشعبية والمجتمعية
إلى جانب الجهود الرسمية، تزدهر المبادرات الشعبية التي تعكس روح الإيثار والتراحم المتأصلة في المجتمع اليمني، في صور متعددة تجسد إيمان الشعب ورحمته وعطفه على بعضه البعض, حيث يتبادلون الأطباق الرمضانية, كطقس ديني إجتماعي تقليدي للأسر التي تتخذه منه وسيلة لتعزيز الروابط بين الجيران وضمان عدم بقاء أي أسرة جائعة، مما يخلق جوًا من المحبة والتكافل , إضافة إلى ذلك تنتشر المطابخ الخيرية ومخابز الأفران، التي يديرها شباب ومتطوعون ورجال أعمال من فاعلي الخير وميسورين، لتقديم وجبات الإفطار والعشاء للأسر الأشد فقرًا والنازحين، لتسد جزءًا من احتياجاتهم الغذائية في هذا الشهر الفضيل مما يعكس تضافر الجهود لمواجهة الأزمة الإنسانية .
مؤسسة بنيان ومشروع السلة الغذائية الرمضانية
وفي هذا السياق تستعد مؤسسة بنيان لتنفيذ الموسم الخيري خلال شهر رمضان المبارك موسم 1447هـ، والذي سيتم فيه توزيع “سلال غذائية” لما يقارب 41,000 أسرة في أمانة العاصمة، وجزء من محافظة صنعاء,كجانب من صور التكافل والتراحم بين أفراد المجتمع، وتخفيف الأعباء المعيشية عن الأسر المحتاجة خلال شهر رمضان المبارك، وتوفير الاحتياجات الأساسية من المواد الغذائية , كما يعد مشروع السلة الغذائية الرمضانية أحد مشاريع برنامج “إطعام” الموسمية الذي يشمل أيضاً مشروع الأفران الخيرية التي تنتج 425 ألف رغيف يوميًا على مدار العام، بالإضافة إلى مشروع اللحوم، والأضاحي العيدية الذي يستهدف 41 ألف أسرة, ويتم تنفيذه بالتعاون مع الجهات الحكومية ورجال الأعمال والفاعلين في العمل الخيري.
الصمود في وجه التحديات.. تحويل المحنة إلى منحة
تُبرز هذه المبادرات الوجه الحقيقي للصمود اليمني، حيث يتحول الحصار والعدوان إلى دافع لتعزيز التراحم والإيثار، فالشعب رغم قسوة الظروف، يرفض الاستسلام لليأس، ويُظهر قدرة فائقة على التكيف والبقاء، ويُصبح التكافل وسيلة فعالة لمواجهة العدوان الاقتصادي، ويُعزز من شعور المواطنين بوحدة النسيج الاجتماعي، كما أن تقاسم الرغيف الواحد، ودعم بعضهم البعض، يعبر عن هوية إيمانية وجهادية، واستجابة لدعوات القيادة لتعزيز هذه القيم كجزء لا يتجزأ من الصمود .
وبالعودة إلى ما خلفه العدوان من تداعيات اقتصادية صعبة على الشعب اليمني واستمرار العدو السعودي في مراوغته بتنفيذه استحقاقات السلام’ وجهت صنعاء رسائل تحذيرية للنظام السعودي بأنها لن تتفرج على معاناة الشعب, ولن يستمر الصمت إلى ما لا نهاية’ وفي هذا الصدد أشار عضو المكتب السياسي لأنصار الله، د. حزام الأسد، إلى أن استمرار النظام السعودي في الخضوع للإملاءات الأمريكية العدائية بحق الشعب اليمني ومواصلة الحصار والمماطلة في الإفراج عن أموال اليمنيين، والتنصل من استحقاقات الملف الإنساني لن يحقق له أمنًا أو استقرارًا, وأكد أن التنصل السعودي من ملفات الأسرى والمرتبات وفتح الموانئ والمطارات وإعادة الإعمار وجبر الضرر قد يطيح بطموحات الرياض، ويعيد خطتها “20-30” إلى ما دون الصفر.
ختاما
يعتبر شهر رمضان المبارك قصة نجاح ملهمة في اليمن، تُبرز قدرة الإنسان على العطاء والصمود في أحلك الظروف, وجزء لا يتجزأ من ثقافته وهويته الإيمانية، ومرآة تعكس قوة إيمانه وتماسكه الاجتماعي, فمع كل سلة غذائية تُقدم، وكل وجبة إفطار تُشارك، تتجدد قصة الصمود اليمني، وتُرسخ قناعة بأن الإرادة الشعبية، المدعومة بروح التكافل، قادرة على تجاوز أصعب المحن’ ومالم يستجب النظام السعودي لدعوات صنعاء وتصريحاتها الأخيرة, فإنها ستكون في مرمى اليد الطولى لليمن في أي لحظة وعلى الباغي تدور الدوائر.