“هَجْم الدَّمْن”: حين تنتهك حرمة البيوت.. قوانين قبلية صارمة لردع المعتدين
يمانيون/ محسن علي
في أعماق التقاليد القبلية، حيث للبيت حرمة تفوق أسعار الذهب وأي اعتبارات أخرى، يبرز عرف “هَجْم الدَّمْن” كقانون اجتماعي صارم، يرسم خطاً أحمر حول أمن المساكن وسكينتها، هذا العرف، الذي توارثته الأجيال، لا يعتبر الاعتداء على البيوت مجرد جريمة، بل انتهاكاً لقدسية العائلة والشرف، ويضع له ميزاناً دقيقاً من العقوبات التي تتدرج بحسب فداحة الفعل، من دفع “غَوْم البيت” إلى أحكام “علقة التهجير” التي قد تصل إلى القتل أو النفي، لتظل البيوت حصوناً آمنة لا تُمس, في هذا الجزء الـ19 عشر نستعرض مفاهيم “هجم الدمن” في قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن.. ومع التفاصيل
“هَجْم الدَّمْن”.. قضاء قبلي لحماية قدسية البيوت
تعتبر البيوت في الأعراف القبلية أكثر من مجرد جدران تأوي ساكنيها؛ إنها “حرمات” مصانة، يمثل الاعتداء عليها، خاصة بإطلاق الرصاص الحي، جريمة اجتماعية كبرى تُعرف بـ “هَجْم الدَّمْن”، هذا المصطلح لا يشير فقط إلى الفعل المادي، بل يمس كرامة أهل البيت وشرفهم، مما استدعى وضع منظومة قضائية عرفية دقيقة لردع المعتدين ورد الاعتبار للمعتدى عليهم.
قانون العرف.. لكل فعل رد فعل
لقد حددت قواعد العرف القبلي ثلاثة مستويات من الأحكام في قضايا “هجم الدمن”، يعتمد كل منها على دوافع الهجوم والنتائج المترتبة عليه، لضمان تحقيق العدالة وردع أي انتهاك مستقبلي.
الهجوم المبرر.. رد اعتبار وحفظ للحقوق
في الحالة التي يكون فيها الهجوم على المنزل ناتجاً عن سبب أو مبرر سابق، ولم يسفر عن أي إصابات بشرية، فإن العرف يفرض على المهاجم عقوبة تهدف إلى رد الاعتبار، وتتمثل العقوبة في “تسريح ثور” مع ما يتبعه من مبلغ نقدي يُعرف بـ “غَوْم البيت” أو “حجة البيت”، وهو بمثابة اعتذار رمزي لقدسية المنزل المنتهك.
إضافة إلى ذلك، يُلزم المهاجم بـ “تسريح رأس من الغنم” (شاة) مع مقابلها النقدي لكل شخص كان متواجداً داخل البيت أثناء الهجوم، كتعويض عن الترويع الذي لحق بهم. كما يتحمل المهاجم كافة تكاليف إصلاح الأضرار المادية التي لحقت بالمنزل.
الهجوم “البَطَرَة”.. عقوبة مضاعفة للترهيب المتعمد
عندما يقع الهجوم دون أي سبب أو مبرر، ويكون دافعه الاستقواء والترهيب المتعمد (ما يعرف بالبطرة والبوقة)، تتضاعف العقوبة بشكل كبير حتى لو لم تقع إصابات، وفي هذه الحالة، يُحكم بـ “المحشم”، وهو الحكم المضاعف, ويشمل ذلك “تسريح ثورين” مع مقابلهما النقدي كـ “غوم للبيت”، بالإضافة إلى “تسريح رأسين من الغنم” لكل فرد كان في المنزل وقت الهجوم. أما الأضرار المادية، فيتم تقدير قيمتها ومضاعفتها، ليكون ذلك رادعاً قوياً لمن تسول له نفسه ترويع الآمنين دون وجه حق.
الهجوم الدامي.. من “هجم دمن” إلى “علقة التهجير”
تصل القضية إلى أقصى درجات الخطورة إذا أدى الهجوم إلى إصابة أو مقتل أحد سكان المنزل، هنا، يتغير توصيف الجريمة من “هجم دمنة” إلى “علقة التهجير”، وتصبح العقوبات مغلظة إلى أربعة أضعاف، وهو ما يسمى بـ “حكم المربع”.
وتشمل العقوبات:
تسريح” أربعة ثيران” مع مقابلها النقدي
تسريح “أربعة رؤوس من الغنم” لكل شخص كان في المنزل.
دفع “أرش” الإصابة مضروباً في أربعة في حال وجود جرحى.
في حال القتل، يتم ضرب الدية الشرعية في ثلاثة، وتضاف إليها أحكام “غوالي العلقة”، مع احتفاظ ولي الدم بحقه في القصاص (النقاء) أو قبول الدية.
تُظهر هذه الأحكام الصارمة الأهمية القصوى التي توليها الأعراف القبلية لحماية الأرواح والممتلكات، وتؤكد أن حرمة البيوت خط أحمر لا يمكن تجاوزه دون عواقب وخيمة.
المرجع: قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن – للشيخ صالح روضان.