من التنازل إلى التبعية .. القصة الكاملة لسقوط السيادة

تُعدّ قضية المساومة في المبادئ الدينية والإيمانية من أكثر القضايا التي لها شواهد مؤلمة في الواقع العربي المعاصر، خصوصًا في ظل هجمة غير عادية للعدو الصهيوأمريكي، وما يُطرح تحت عناوين الواقعية السياسية، أو كسب الآخر، في هذا السياق، قدّم الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، رؤية نقدية حادة ترفض منطق التنازلات على حساب المبادئ الدينية، معتبرًا أن هذا النهج لا ينسجم مع القرآن ولا مع منطق الدعوة الحقّة، في رؤية دلالية تقدم المقاربة مع الواقع العربي والمحلي  بوصفها تأكيدًا عمليًا لنتائج المساومة التي حذّر منها.

يمانيون / أعده للنشر/ طارق الحمامي

 

 المساومة بوصفها تعبيرًا عن الضعف لا عن الحكمة
يرى الشهيد القائد  أن فكرة التنازل أو السكوت ليست أسلوبًا قرآنيًا، بل انعكاس لحالة ضعف وعجز، فالمعادلة التي تقوم على، أسكت عن هذا وتسكت عن ذاك، أو نتأقلم معك في هذه النقطة لنكسبك، لا تنتمي إلى منطق الحق، ويؤكد أن هذا الأسلوب يفترض ضمنًا أن الحق عاجز عن فرض نفسه بالحجة، وهو ما يتناقض مع طبيعة القرآن الذي يقدّم نفسه بوصفه حجة مكتملة، لا تحتاج إلى مقايضة ولا إلى تنازل عن الأسس.

الحجة القرآنية فوق منطق التنازل
ينطلق طرح الشهيد القائد في أحد دروسه الهامة ضمن سلسلة دورس مديح القرآن ’’ الدرس السادس’’ من مسلّمة أن القرآن لا يطالب أتباعه بالتخلي عن المبادئ من أجل القبول، بل يؤسس لحالة من الثقة الكاملة بالمنهج، فالتنازل عن الثوابت تحت أي مبرر يعني عمليًا الدخول في مساحة الآخر، لا دعوته للخروج منها، ويشير إلى أن من يتنازل بدعوى كسب الآخر يجد نفسه في النهاية متنازلًا أكثر، لأن منطق المساومة لا يقف عند حد، بل يفتح بابًا متدرجًا للتفريط، حتى يفقد الداعي موقعه ومصداقيته.

 دلالات مفردات الدعوة في القرآن
يستند الشهيد القائد إلى دلالات لغوية ومعنوية في الخطاب القرآني، مثل قوله تعالى: {تَعَالَوْا} في سورة (آل عمران: 61)، وقوله سبحانه: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ} في سورة (النحل: 125)، ويبيّن أن هذه المفردات تحمل معنى الاتجاه الواضح والصعود نحو الحق، لا الالتقاء في منتصف الطريق، فالدعوة هنا ليست توليفًا بين باطل وحق، ولا مشروع تسوية، بل انتقال صريح من موقف إلى موقف، ومن منهج إلى منهج.

رفض الذوبان في باطل الآخر
يؤكد الشهيد القائد أن القرآن يربّي الإنسان على الثقة باتجاهه، لا على البحث عن الذوبان في الآخر، فالداعي، لا يسعى لأن يكون جزءًا من صفٍّ مختلط يقوم على التغاضي المتبادل، بل يقدّم الحق كما هو، معتمدًا على الله في النتائج، ويرى أن أخطر ما في منطق المساومة أنه يلبس ثوب التسامح أو المرونة، بينما يؤدي فعليًا إلى تمييع الحق وتحويل الدعوة من مشروع هداية إلى مشروع مسايرة.

 من الواقع هذه بعض نتائج المساومة
ما جرى ويجري في سوريا بوصفه شاهدًا بارزًا على مآلات المساومة، فمع تعقّد الصراع، دخلت أطراف متعددة في تسويات وصفقات قُدِّمت باعتبارها حلولًا واقعية أو مخارج سياسية، غير أن النتيجة كانت تكريس النفوذ الخارجي، وتعدد مناطق السيطرة للعدو، وتراجع القرار السيادي،  وتلك المساومات لم تُنتج استقرارًا حقيقيًا، بل حوّلت التنازل من إجراء مؤقت إلى حالة دائمة، بما يؤكد مقولة الشهيد القائد بأن المساومة لا تكسب صاحبها، بل تُدخله في مشروع الآخر، وتشير القراءة المستلهمة من طرح الشهيد القائد إلى أن المساومات غالبًا ما تبدأ بوعود الدعم والحماية، لكنها تنتهي بواقع الوصاية، فالطرف الذي يتنازل عن جزء من قراره أو ثوابته، يجد نفسه لاحقًا مضطرًا للتنازل أكثر من أجل الحفاظ على الحد الأدنى من المكاسب، فيفقد استقلاله تدريجيًا، وهذا المسار، يتناقض جذريًا مع المنهج القرآني الذي لا يؤسس لعلاقة قائمة على الارتهان، بل على الوضوح والثبات.

نموذج آخر ..  المحافظات الجنوبية وفقدان السيادة
على المستوى المحلي، تُستحضَر أوضاع المحافظات الجنوبية كنموذج عملي لنتائج المساومة، للمرتزقة الذين قدموا تنازلات سياسية وأمنية، وخضعوا لتفاهمات مع المحتل السعودي والإماراتي، غير أن الحصيلة كانت فقدان السيادة الوطنية، وتحول تلك المحافظات إلى مناطق خاضعة للوصاية، وغياب القرار المستقل، ويُقدَّم هذا الواقع بوصفه ترجمة مباشرة لتحذير الشهيد القائد من أن التنازل لا يحمي أصحابه، بل يجعلهم أدوات بيد غيرهم.

 بين الدعوة القرآنية وإدارة المصالح
يبرز الفارق بين المنهج القرآني الذي يركّز على الدعوة الواضحة في قوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ}، وبين واقع عربي تحكمه حسابات المصالح ولو على حساب الثوابت، ومع الوقت، تتحول هذه الحسابات إلى غطاء دائم للتنازل، لا إلى وسيلة لحماية الأوطان أو كرامة الشعوب، لنصل إلى أن طرح الشهيد القائد، بشأن رفض المساومات والتنازلات على حساب دين الله لا يقتصر على بعدٍ نظري أو وعظي، بل يجد شواهده الواضحة في الواقع العربي والمحلي، وما يحدث في الواقع من سوريا إلى المحافظات الجنوبية، تُقدَّم بوصفها دليلًا على أن المساومة لا تنتج قوة ولا سيادة، بل تؤدي إلى التبعية وفقدان القرار.

You might also like