أمين حزب الله يضع معادلة “السيادة مقابل الحوار”.. ويحدد مسار لبنان بأربعة عناوين وطنية
وضع نائب الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، إطاراً واضحاً لأولويات حزبه، في خطاب جامع له اليوم والذي رسم من خلاله ملامح المرحلة المقبلة من منظوره السياسي، رابطاً بين إقرار الموازنة كضرورة لإنقاذ “الانتظام العام الهش”، وبين معركة السيادة التي يعتبرها المدخل الوحيد لأي نقاش مستقبلي حول استراتيجية وطنية شاملة، وفيما مدّ يده للحوار الداخلي المشروط، وجّه رسائل حادة لمن وصفهم بـ “أدعياء السيادة” المرتبطين بالوصاية الأمريكية، مؤكداً في الوقت ذاته على التحالف الاستراتيجي مع إيران التي وصفها بـ “درة التاج” في مواجهة المشاريع الأمريكية والإسرائيلية، وفي توقيت دقيق يتزامن مع نقاشات الموازنة والجدل المستمر حول الاستحقاقات الدستورية والانقسام الحاد في المواقف السياسية، أطلق الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، سلسلة مواقف بدت كبيان سياسي متكامل يحدد رؤية الحزب للمرحلة المقبلة على الصعيدين الداخلي والخارجي، لم تكن تصريحات قاسم مجرد تعليق عابر، بل كانت بمثابة تحديد دقيق لأولويات الحزب وشروطه، مقدماً ما يشبه “خارطة طريق” تبدأ من الاقتصاد ولا تنتهي إلا بالاستراتيجية الدفاعية، مروراً بمفهوم “السيادة” الذي وضعه كحجر زاوية لأي تفاهم وطني.
يمانيون / محسن علي
الموازنة صمام أمان لـ “انتظام هش”
بدأ الشيخ نعيم قاسم من حيث يعاني اللبنانيون، أي الاقتصاد، واعتبر أن تصويت نواب حزبه وحركة أمل لصالح الموازنة كان خطوة ضرورية لإنقاذ “الانتظام العام الهش” ومنع الانزلاق نحو وضع اقتصادي أشد تعقيداً.
هذا الموقف، يحمل في طياته رسالة مزدوجة: الأولى، هي إظهار حس بالمسؤولية الوطنية تجاه انهيار الدولة ومؤسساتها، والثانية، هي تبرير المشاركة في إقرار موازنة “ضعيفة” كما وصفها، كخيار “أهون الشرين” في ظل الفراغ القاتل، وبهذا الموقف وضع خصوم الحزب أمام حقيقة أن عرقلة المؤسسات قد تؤدي إلى انهيار شامل لا يريده أحد، بما فيهم حزب الله الذي يدرك أن بيئته الشعبية هي جزء من النسيج اللبناني المتأثر بالأزمة.
السيادة خط فاصل بين “المقاومة” و”الوصاية”
ينتقل التحليل من الاقتصاد إلى السياسة، وهنا تبرز النقطة الأكثر حدة في خطاب قاسم، إذ رسم خطاً فاصلاً وواضحاً بين فريقين: الأول هو “المقاومة وأنصارها” الذين يكتسبون شرعيتهم من “التحرير” ويُنظر إليهم عالمياً كرموز للسيادة وسادة المجاهدين في عصرنا الراهن، والثاني هم “أدعياء السيادة” الذين اتهمهم صراحة بأنهم “تُحركهم الوصاية الأمريكية”، هذا التوصيف ليس جديداً، لكن إعادة طرحه بهذه القوة تعكس عمق الانقسام في لبنان حول الهوية والتحالفات الخارجية، ففي حين يرى الحزب أن السيادة تتحقق أولا عبر مقاومة الكيان المجرم “إسرائيل” والهيمنة الأمريكية وتدخلها العلني السافر، يرى خصومه أن السيادة الحقيقية تبدأ من حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية وحدها، وإنهاء التدخلات الإقليمية في الشأن اللبناني حسب زعمها.
خروقات العدو تتصاعد.. فأين السيادة..!
يستند خطاب المقاومة إلى الواقع الميداني المتمثل في الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للسيادة اللبنانية منذ صدور قرار مجلس الأمن 1701 في أغسطس 2006.
الأرقام والإحصائيات الصادرة عن جهات متعددة، بما فيها الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ترسم صورة قاتمة لهذه السيادة.
فقد وثقت البعثة اللبنانية لدى الأمم المتحدة ما يزيد عن 30 ألف خرق إسرائيلي منذ عام 2006، وفي تقارير أحدث، ذكرت وزارة الخارجية اللبنانية تسجيل 2,036 خرقاً إسرائيلياً خلال ثلاثة أشهر فقط، كما أكدت اليونيفيل وقوع “آلاف الانتهاكات” للقرار 1701، محذرة من أنها تعرض الهدوء الهش للخطر.
هذه الخروقات لا تقتصر على التحليق الجوي شبه اليومي، بل تشمل انتهاكات برية وبحرية، وعمليات عسكرية أدت إلى سقوط مئات الشهداء والجرحى في فترات اتفاقية وقف إطلاق النار والى اليوم، ومن منظور حزب الله، هذه الأرقام هي الدليل المادي على أن “السيادة” التي يتحدث عنها خصومه هي مجرد شعار، وأن الخطر الإسرائيلي حقيقي ومستمر، مما يبرر أهمية وجود سلاح المقاومة كقوة ردع ضرورية لحماية لبنان والشعب اللبناني.
الانتخابات “لا لقانون على ذوقهم”
لم يغفل أمين حزب الله عن الاستحقاق الانتخابي، فجدد التأكيد على استعداد حزبه لخوض الانتخابات “بالقانون الذي وافقوا عليه”، متهماً الأطراف الأخرى بالسعي لتفصيل قانون انتخابي يناسب مصالحها.
هذه النقطة تكشف عن استمرار الخلاف العميق حول قانون الانتخاب، الذي يعتبر ساحة صراع رئيسية بين القوى السياسية لتعظيم مكاسبها التمثيلية، وتجدر الإشارة إلى “القانون الذي وافقوا عليه” هي تذكير بأن القانون الحالي جاء نتيجة تسوية سياسية سابقة، وأن أي محاولة لتغييره الآن هي بمثابة تراجع عن تلك التسوية.
خارطة الطريق الوطنية أربعة عناوين للشرف الوطني
لعل الجزء الأهم في خطاب اليوم هو تحديده لأربعة عناوين اعتبرها أساس “الشرف الوطني” والمدخل لأي حوار مستقبلي: إيقاف العدوان، انسحاب العدو، الإفراج عن الأسرى، وإعادة الإعمار، هذه العناوين الأربعة موجهة بشكل أساسي إلى الداخل اللبناني، حيث يدعو الشيخ نعيم خصومه إلى “تعديل اتجاههم إلى الوطن وسيادته” والالتفاف حول هذه القضايا.
ومن الناحية العملية فهو يضع شروطاً واضحة لأي حوار حول “الاستراتيجية الوطنية التي تحمي لبنان”، ومفادها: لا نقاش حول سلاح المقاومة أو استراتيجيتها قبل الاتفاق على هذه المبادئ الأساسية التي تمثل جوهر الصراع مع إسرائيل من وجهة نظره.
البعد الإقليمي إيران “درة التاج”
أخيراً، ربط قاسم كل ما سبق بالبعد الإقليمي عبر تهنئته بالذكرى الـ47 لانتصار الثورة الإسلامية في إيران، واصفاً إياها بـ”درة التاج” القادرة على هزيمة أمريكا وإسرائيل. هذا التأكيد على التحالف الاستراتيجي مع إيران في ذكرى ثورتها ليس مجرد مجاملة بروتوكولية، بل هو تأكيد على أن حزب الله جزء لا يتجزأ من محور إقليمي يطلق عليه محور القدس والجهاد والمقاومة تقوده طهران ويمتد للعراق وفلسطين واليمن ، وأن قوته وموقفه التفاوضي في الداخل اللبناني يستمدان زخماً كبيراً من هذا العمق الاستراتيجي، ومن الحاضنة الشعبية اللبنانية الكبيرة ايضا.
ختاماً
يقدم خطاب الشيخ نعيم قاسم رؤية متماسكة لموقف حزب الله: مرونة في الملف الاقتصادي لمنع الانهيار الكامل، وتصلب في ملفي السيادة والاستراتيجية الدفاعية، وتجدد دعوته للحوار، المشروط بالاعتراف بأولويات المقاومة، والرسالة واضحة: من يريد بناء الدولة مع حزب الله، عليه أولاً أن يحدد موقفه من الصراع مع العدو الإسرائيلي ومن مفهوم السيادة الذي يطرحه الحزب، وبعد ذلك فقط، يمكن الانتقال إلى طاولة الحوار لمناقشة مستقبل لبنان.