فضيحة إبيستين.. كيف كشفت الوثائق ارتهان القرار السعودي لشبكات النفوذ الصهيونية ؟

يمانيون | تقرير
أعادت الوثائق المرتبطة بقضية المجرم الصهيوني جيفري إبستين فتح ملف بالغ الخطورة يتعلق بطبيعة العلاقات التي نسجتها النخبة الحاكمة في المملكة العربية السعودية مع شبكات نفوذ دولية مشبوهة.

هذه الوثائق لم تكشف فقط عن فضائح أخلاقية مدوية هزت عواصم غربية، بل سلطت الضوء على حجم التغلغل الصهيوني في صناعة القرار السياسي والاقتصادي، وعلى استعداد بعض الأنظمة الإقليمية لفتح أبوابها أمام شخصيات مدانة جنائيًا مقابل وعود بالنفوذ داخل دوائر الحكم الغربية.

وفي هذا السياق، برزت السعودية كنموذج صارخ لحالة الارتهان والاستلاب.

فضيحة عالمية تكشف هشاشة التحالفات السعودية

مع خروج ملفات إبيستين إلى العلن، شهد العالم موجة من الإقالات والاستقالات لشخصيات سياسية واقتصادية ارتبطت به، في مؤشر على عمق الأزمة التي أصابت النخب الغربية.

غير أن ما يميز الحالة السعودية هو أن العلاقة مع إبيستين لم تكن هامشية أو عابرة، بل اتخذت طابعًا منفتحًا يعكس استعدادًا رسميًا للتعامل مع شخصية مدانة في قضايا استغلال جنسي، فقط لأنها تمثل بوابة محتملة إلى مراكز النفوذ في الولايات المتحدة.

هذه المعطيات تكشف أن جزءًا من التحالفات التي بنتها الرياض في السنوات الأخيرة لم يقم على أسس مؤسسية شفافة، بل على شبكات علاقات شخصية مع وسطاء مشبوهين.

وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة القرارات التي تُصاغ عبر هذه القنوات، ومدى خضوعها لمصالح خارجية تتجاوز الاعتبارات الوطنية.

مراسلات تكشف عمق العلاقة مع دوائر الحكم

تُظهر الوثائق أن وزير الاستثمار السعودي السابق خالد الفالح لعب دورًا محوريًا في التمهيد للقاء جمع إبيستين بولي العهد محمد بن سلمان في نوفمبر 2016.

رسالة مؤرخة في التاسع والعشرين من أكتوبر من ذلك العام تكشف تواصلًا مباشرًا، تلتها رسائل يؤكد فيها إبيستين استعداده لمناقشة أفكار تتعلق بإدارة الثروة السيادية السعودية، بل ويطرح رؤيته لصندوق الثروة باعتباره أداة استراتيجية يجب أن تتجاوز كونها مجرد تسمية شكلية.

كما تكشف المراسلات أن الفالح وجّه دعوة لإبيستين لمتابعة الانتخابات الأمريكية من منزله في الرياض، في إشارة إلى مستوى القرب والثقة بين الطرفين.

ورغم عارض صحي ألمّ بإبيستين ودفعه للتفكير في تأجيل اللقاء، فإن الاجتماع تم في موعده، ليعقبه في اليوم ذاته مقترح من إبيستين يعرض فيه أن يكون مستشارًا ماليًا لولي العهد، طالبًا معلومات تفصيلية عن الهيكل التنظيمي لصندوق الاستثمارات العامة، والعمليات المالية في البنك المركزي، والهياكل القانونية المرتبطة بإدارة الاقتصاد السعودي.

 انكشاف الاقتصاد السعودي أمام نفوذ مشبوه

وثيقة أخرى مؤرخة في السابع عشر من نوفمبر تظهر أن إبيستين تحرك بسرعة لعقد اجتماع يضم ستة وزراء سعوديين، بينهم خالد الفالح، مقترحًا أن يُعقد في الولايات المتحدة أو باريس، مع جعل الرياض الخيار الأخير.

هذا الترتيب يعكس محاولة واضحة لنقل النقاش حول ملفات اقتصادية حساسة إلى فضاءات خارجية، تحت إشراف شخصية مثقلة بالاتهامات الجنائية.

انكشاف تفاصيل الاقتصاد السعودي، وما هو أبعد من الاقتصاد، أمام شخص مدان في قضايا استغلال جنسي مع قاصرات عام 2008، يسلط الضوء على حالة الاستلاب التي تعيشها بعض النخب الحاكمة تجاه شبكات النفوذ الصهيونية، التي تُقدَّم بوصفها بوابة إلى دوائر الحكم في الولايات المتحدة والغرب عمومًا.

كما يعكس هذا الواقع سقوطًا أخلاقيًا وقيميًا صارخًا لدى من يقدمون أنفسهم كحماة للرمزية الدينية، في وقت ينفتحون فيه على شخصيات محاطة بشبهات جنائية وأخلاقية جسيمة.

ختاماً

تؤكد قضية إبيستين أن ما انكشف ليس مجرد علاقة عابرة بين مسؤولين وشخصية مثيرة للجدل، بل نمطًا من إدارة العلاقات الدولية قائمًا على الارتهان لشبكات نفوذ غير رسمية.

في الحالة السعودية، تكشف الوثائق عن استعداد لربط مفاصل اقتصادية وسيادية بشخص مدان جنائيًا، في سبيل تعزيز الموقع داخل المنظومة الغربية.

هذا الواقع يضع صورة النخبة الحاكمة أمام اختبار أخلاقي وسياسي حاد، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة السيادة والاستقلال في ظل علاقات تُدار خلف الأبواب المغلقة.

 

You might also like