خرافة التفوق وجدار الصمود .. كيف تحطمت “موجات التغريد” الأمريكية أمام يقظة الردع الإيراني؟
يمانيون |
يندفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم في مغامرة عسكرية ضد الجمهورية الإسلامية في إيران وهو يفتقد لأدنى معايير الرؤية الاستراتيجية أو البوصلة الوطنية التي تخدم مصالح شعبه، حيث يبدو بوضوح أنه يخوض “حرب نتنياهو” بالوكالة، محولاً الدولة الأمريكية بكل ثقلها إلى مجرد أداة تنفيذية وفدائية في يد الكيان الصهيوني.هذا الاندفاع ليس وليد صدفة سياسية، بل هو نتيجة عملية “تنويم مغناطيسي” وتضليل مارسته الدوائر الصهيونية التي حاصرت ترامب بنصوص تلمودية وخرافات دينية، أوهمته بأن اللحظة التاريخية قد حانت لفرض الهيمنة المطلقة وإعادة رسم خريطة المنطقة.
ولا يمكن عزل هذا التهور عن الضغوط الشخصية الهائلة التي قد يكون ترامب عرضة لها، خاصة مع تلويح دوائر “الدولة العميقة” بملفات حساسة وابتزازية كملفات “إبستين” الشهيرة، مما دفعه للهروب إلى الأمام بشن عدوان واسع على إيران بأهداف متناقضة وعواقب غير محسومة ورؤية مشوشة تماماً، يتضح ذلك من حجم التناقضات اليومية في تصريحات الإدارة الأمريكية التي تبدو وكأنها تتخبط في ظلام دامس بلا غاية حقيقية سوى إرضاء رغبات العدو الإسرائيلي.
أكذوبة “التفوق الجوي” وصفعة “الوعد الصادق” الميدانية
برز حجم التناقض الصارخ في الإحاطة العسكرية المشتركة التي قدمها وزير الحرب الأمريكي “بيت هكست” ورئيس هيئة الأركان “الجنرال داين كين”، حيث زعم الأخير تحقيق ما وصفه بـ “تفوق جوي محلي” على طول الساحل الإيراني، متبجحاً بالانتقال من الضربات البعيدة إلى ضربات مباشرة داخل الأراضي الإيرانية لتمهيد الطريق نحو عمليات في العمق تمنح القوات الأمريكية حرية المناورة.
لكن هذا الادعاء يسقط سقوطاً مدوياً أمام أبسط الأسئلة الميدانية التي يفهمها أي جندي ومقاوم: لو كان العدو الأمريكي يمتلك سيطرة جوية مكتملة فعلاً، فلماذا لا يزال يحرص بكل حذر وجبن منذ البداية على تجنب دخول الطائرات المأهولة للمجال الجوي الإيراني والاكتفاء بالضرب من مسافات آمنة؟
إن الحقيقة التي يحاول “هكست” إخفاءها خلف ستار “التفوق الجوي” هي أن سماء إيران لا تزال “محرمة” بفعل يقظة الدفاعات الجوية الإيرانية التي لم تنجح كل الموجات العدوانية في تحييدها.
وما يدحض المزاعم الأمريكية بكسر القوة الإيرانية هو استمرار تدفق موجات “الوعد الصادق 4” من الصواريخ والمسيرات التي تنطلق من جبهات متعددة لتضرب القواعد الأمريكية في المنطقة والعمق الصهيوني بدقة فائقة وقوة نارية مدمرة، مما يعني أن منظومات القيادة والسيطرة والهجوم والدفاع الإيرانية لا تزال تعمل بفاعلية وتأثير كاملين، بل وتمسك بزمام المبادرة وتفرض قواعد الاشتباك التي يخشى جنرالات البنتاغون الاقتراب منها.
الاستنجاد بالدروع الإقليمية واعتراف العجز الأمريكي
إن لجوء الولايات المتحدة للاستنجاد بدفاع إقليمي واسع، ومطالبتها العلنية والمستمرة لدول في الخليج والأردن والمنطقة لاعتراض الموجات الصاروية الإيرانية والمسيرات، هو اعتراف صريح وفاضح بأن واشنطن عاجزة بمفردها عن حماية قواتها أو حماية ربيبتها إسرائيل من غضب الصواريخ الإيرانية.
هذا المؤشر الميداني ينسف كل ادعاءات “التفوق”؛ فالمسيطر الحقيقي لا يطلب من جيرانه أن يحموه، والمهيمن جوياً لا يخشى على قواته من ردود فعل خصم يزعم أنه دمر قدراته.
إن التهديد الصاروخي الإيراني لا يزال يمثل الكابوس الأكبر الذي يفشل كل مخططات “السيطرة الجوية” المزعومة، ويجبر القوات الأمريكية على البقاء في حالة استنفار وقلق دائم.
هذا العجز الأمريكي الموثق ميدانياً يؤكد أن المجال الجوي الإيراني لا يزال فاعلاً ومحمياً، وأن كل ما يروجه “بيت هكست” ليس سوى محاولة لرفع معنويات منهارة لجنوده وللمستوطنين في الكيان الصهيوني الذين باتوا يدركون أن الحماية الأمريكية هي مجرد “مظلة مثقوبة” لا تصمد أمام بأس الصواريخ والمقاتلين الذين لا يهابون آلة الموت الصهيوأمريكية.
تبريرات الجريمة وسقوط ترامب في “كأس الغباء” الاستراتيجي
في ظل هذا الإرباك وغياب الهدف والمبرر والغاية، يحاول وزير الحرب الأمريكي تبرير جريمة وعدوان بلاده أمام الرأي العام الأمريكي بمزاعم واهية تدعي أن إيران كانت تنوي اغتيال ترامب أو مسؤولين أمريكيين آخرين، وهي محاولة يائسة لتحويل عدوان استراتيجي شامل إلى قضية “ثأر شخصي” ضيقة.
لقد قدم ترامب خلال أيام قليلة عرضاً مجانياً في فنون التناقض السياسي؛ فتارة يتحدث عن “حسم سريع”، وتارة يفتح باب التفاوض، ثم يقفز فجأة إلى فكرة “تغيير النظام” واختيار البدائل.
والمفارقة الكبرى تكمن في أن ترامب نفسه هو من سخر لسنوات من الإدارات السابقة واصفاً إنفاق 8000 مليار دولار في حروب العراق وأفغانستان بـ “الغباء” المطلق، واليوم نراه يشرب من ذات “كأس الغباء” ويغرق في وحل حرب استنزاف كبرى لإرضاء الصهيونية، دون أن يستفيد من دروس الماضي القريب التي أذلت الجبروت الأمريكي في جبال أفغانستان وصحاري العراق.
إن هذا السلوك يعكس حالة من الانفصام السياسي، حيث يمارس ترامب اليوم كل ما كان يعتبره “غباءً وفشلاً” في السابق، منقاداً خلف وعود وزير حربه الذي زعم يوماً أن أمريكا لن تنشغل بتغيير الأنظمة، لكنه بات اليوم يعمل على النقيض تماماً، غارقاً في سيل من التناقضات والرهانات الخاسرة.
مشروع “إسرائيل الكبرى” وتفتيت وثيقة الأمن القومي
إن الانخراط الأمريكي الكامل والمتهور في حروب كيان العدو في المنطقة يتناقض كلياً مع “وثيقة الأمن القومي الأمريكي” التي سبق وقالت إن الشرق الأوسط لم يعد مصدر إزعاج دائم أو مكاناً لكوارث وشيكة.
هذا الانقلاب في الاستراتيجية الأمريكية يبرز أسئلة وجودية عن الهدف الحقيقي من هذا العدوان: هل هو تدمير البرنامج النووي كما يدعون؟ أم هو إسقاط نظام متجذر في عمق التاريخ وعمق الإيمان والحق؟ أم أن الهدف الفعلي هو ما صرح به السفير الأمريكي لدى الكيان الصهيوني حول “إعادة ترتيب الشرق الأوسط” وتهيئة الساحة لمشروع “إسرائيل الكبرى”؟
إن كل الدلائل تشير إلى أن الإدارة الحالية تبدو أكثر حماقة من سابقاتها حين تتوهم بأن بمقدورها كسر إرادة أمة صلبة عبر “موجات من التغريدات” أو الضربات الجوية المحدودة.
إن الخطة التي كتبتها الأيادي الصهيونية “بكلام رصاص” ومسحتها واشنطن “بإرادة صهيونية” عند أول اختبار حقيقي، تثبت أن الرهانات الأمريكية هي رهانات حالمة وبعيدة عن الواقع، وأن الفوضى التي تزرعها واشنطن اليوم لن تحصد منها سوى مزيد من الهزائم والانكسارات أمام محور مقاوم صلب يعرف كيف يحول التهديدات إلى فرص للنصر المظفر.
ختاماً.. حتمية الانكسار الأمريكي أمام صلابة الحق والإيمان
في المجمل، نجد أنفسنا أمام إدارة أمريكية تقودها أوهام القوة وغطرسة السلاح، لكنها تصطدم بجدار من الواقع الميداني الذي يفرضه الصمود الإيراني وتكاتف جبهات المقاومة.
إن الرسائل المتضاربة والأهداف المتناقضة التي تصدر عن البيت الأبيض والبنتاغون ليست سوى دليل على الفشل في تحقيق أي إنجاز حقيقي على الأرض.
إن محاولة إسقاط نظام يستند إلى إرادة شعبية وعمق عقائدي وتاريخي عبر القوة الجوية هي محاولة “صبيانية” أثبتت فشلها في كل تجارب التاريخ المعاصر. ستظل إيران، ومعها كل أحرار المنطقة في اليمن وفلسطين ولبنان، الصخرة التي تتحطم عليها أوهام “إسرائيل الكبرى” وأحلام ترامب باستعادة هيبة أمريكا الضائعة.
والحقيقة التي يجب أن يدركها العالم هي أن “كلام الرصاص” الصهيوني لن يغير من واقع الجغرافيا ولا من حقائق التاريخ، وأن النصر في نهاية المطاف هو حليف من يملك الأرض والإيمان والقدرة على الصمود، لا من يملك التغريدات والبيانات المتناقضة والوعود الكاذبة.