لاهوت الحرب وأيام المسيح المؤجلة.. قراءة في السردية العقائدية للعدوان على إيران من “درع اليهود” إلى “غضب الملحمة”

يمانيون |
إن ما تتعرض له الجمهورية الإسلامية في إيران هذه الأيام ليس مجرد استهداف عسكري عابر، بل هو محاولة لكسر إرادة التحرر الوطني والقومي أمام غطرسة واشنطن وأطماع تل أبيب التي تسعى جاهدة لإعادة إحياء خرافة “إسرائيل الكبرى” على أنقاض سيادة الدول وشعوب المنطقة.

إن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري، بل هو إعلان صريح عن وجه العدوان الأمريكي القبيح الذي يتخذ من خرافات “درع اليهود” و”إسرائيل الكبرى” غطاءً شرعياً لشن حروبه البربرية وتدمير مقدرات الشعوب.

لقد تحولت طهران اليوم إلى كابوس يؤرق مضاجع قادة الكيان ومخططي السياسات في البيت الأبيض، ليس لشيء إلا لأنها ترفض الانحناء أمام منطق القوة وتتمسك بسيادتها وقرارها المستقل في وجه لاهوت الحرب الذي تحاول أمريكا فرضه كقدر محتوم على المنطقة.

وفي هذا التقرير، نسلط الضوء على خيوط هذه المؤامرة الكبرى، وكيف استطاعت إيران تحويل التهديدات إلى فرص لتعزيز الردع، كاشفةً زيف الادعاءات لأمريكية-الصهيونية التي تحاول تسويق تدمير المنطقة كضرورة عقائدية وأمنية

من “الدرع” إلى “الزئير”: التضليل العقائدي وشهوة الاستئصال

بدأت هذه الرحلة من وسم “ماجين يهودا” (درع اليهود)، وهو المصطلح الذي أطلقه العدو في بداية عدوانه ليحتمي خلف دلالات دفاعية توراتية تُصور الكيان في حالة حصار مظلوم، لكن هذا الوسم لم يصمد طويلاً أمام شهوة التوسع التي يحركها مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، الذي سرعان ما استبدله بـ “زئير الأسد”.

هذا التحول في المسمى لم يكن مجرد تبديل في الملصقات الدعائية، بل كان مناورة سياسية وعقائدية كبرى؛ فبينما كان “الدرع” يحصر المعركة في إطار ديني يهودي ضيق قد يثير حرج الحلفاء الإقليميين ويفضح الطابع الديني البحت للصراع، جاء “الزئير” ليمنح العدوان طابعاً إمبراطورياً استعلائياً، مستدعياً رمز “أسد يهوذا” الذي يمثل السلطة المطلقة والبطش الإلهي.

لقد أراد نتنياهو من هذا العدول إعادة صياغة الحدث بما يتوافق وحيثيات الزمان، ليتحول العدوان من فعل “دفاعي” إلى “هجوم استئصالي” يمهد الطريق لجر دول المنطقة إلى الخندق الإسرائيلي مباشرة، مدعياً أن هذا “الزئير” هو لحماية الجميع، بينما الحقيقة أنه توطئة لتكريس الهيمنة الصهيونية تحت غطاء “الضرورة الوجودية”.

“أيام المسيح” كأداة لإدارة الوقت السياسي

يتجلى التوظيف السياسي للمقدس في أقسى صوره داخل الخطاب الصهيوني المعاصر، حيث يحاول نتنياهو واليمين المتطرف إيهام جمهور المستوطنين بأنهم لا يخوضون حرباً عابرة، بل يعيشون إرهاصات “أيام المسيح” والراحة الأبدية.

هذا الخطاب يهدف بالدرجة الأولى إلى امتصاص القلق الوجودي الذي يعصف بالمجتمع الصهيوني نتيجة الضربات النوعية للمقاومة، لكن نتنياهو في الوقت ذاته يمارس لعبة “التأجيل الاستراتيجي” ببراعة، حين يقول إن هذه الراحة قد لا تأتي “الخميس المقبل”.

هذا التلاعب بالزمن الغيبي يحول الحرب من حدث زمني له بداية ونهاية إلى حالة “انتظار مقدس” لا سقف لها، مما يمنح القيادة صكاً مفتوحاً للاستمرار في التصعيد وتجاوز كل الخطوط الحمراء.

إن “أيام المسيح المؤجلة” في العقل الصهيوني ليست سوى مخدر للوعي الجمعي، تُستخدم لإسكات المعارضة الداخلية وتبرير القرارات الكبرى التي قد تبدو انتحارية في الحسابات المادية، لكنها تُقدم للجمهور كـ “قدر إلهي” لا بد من عبوره للوصول إلى “الخلاص”.

وبذلك، يتم تغليف الفشل العسكري بغلاف من الصبر العقائدي، ويصبح الدم المسفوع في الخنادق مجرد “قربان” ضروري لتحقيق النبوءة التي ينسبونها زوراً وكذباً للتوراة.

 “الغضب الملحمي”.. واشنطن وتكريس حتمية المواجهة

وعلى الضفة الأخرى من المحيط، لم يعد الدعم الأمريكي لإسرائيل يقتصر على تزويدها بالصواريخ الذكية والمعلومات الاستخباراتية، بل انتقل إلى مرحلة “الوحدة الوجودية” التي تعبر عنها سردية “الغضب الملحمي”.

هذا المصطلح الذي تبنته دوائر الحرب الأمريكية يعكس انزياحاً خطيراً في العقيدة العسكرية لليانكي، حيث تلاقت طموحات تل أبيب مع الرؤية الوجودية لواشنطن التي باتت تتبنى السردية التاريخية والحتمية للمواجهة تماماً كما يفعل الصهاينة.

إن القفز الأمريكي نحو تقديم المواجهة مع إيران كـ “ضرورة وجودية لا تحتمل التأجيل” يكشف عن رغبة في استئصال أي قوة تعيق مشروع “إسرائيل الكبرى” الذي لم يعد يُناقش خلف الكواليس، بل صار جزءاً من الخطاب العلني.

إن الإشارات المختلفة لوزير الحرب الأمريكي والطقوس اللاهوتية التي نُفذت قبل أيام، تؤكد أننا أمام تحالف “مسيحاني صهيوني” يرى في المعركة وسيلة لتطهير الأرض من “قوى الشر” وفق منظور لاهوتي متطرف.

في هذا السياق، يتراجع الحديث عن “الأمن القومي” والاعتبارات الاستراتيجية التقليدية، ليحل محلها خطاب “الواجب الإلهي” و”الحتمية التاريخية”، مما يجعل من العدوان فعلاً لا يمكن مناقشته أو الاعتراض عليه سياسياً.

عسكرة الإيمان وسيكولوجية الخندق

أحد أخطر تجليات هذا الانزياح العقائدي هو إعادة سلك القساوسة والحاخامات العسكريين إلى ذروة نشاطهم داخل صفوف الجيوش الغازية.

إن التركيز على “تغذية إيمان الجنود” وتزويدهم بمنظور ديني عن “الطبيعة البشرية وفنائهم الخاص” يهدف إلى خلق مقاتل لا يحكمه القانون الدولي أو الأخلاق الإنسانية، بل تحركه الفتوى العقائدية.

عندما يقول قادة العدو إنه “لا يوجد ملحدون في الخنادق”، فإنهم يسعون لنفي أي صفة عقلانية عن الحرب، وتحويل الجندي إلى أداة صماء تنفذ “إرادة الرب” المزعومة.

هذا الشحن العقائدي يمنح المقاتل “حصانة روحية” زائفة لارتكاب المجازر، ويصور له العدوان كفعل تطهيري يحميه من الموت المحتم أمامه.

إن استخدام الرموز اللاهوتية في تعبئة الجبهة الداخلية المتصدعة يمنح السلطة السياسية طابعاً استعلائياً يمنع أي صوت معارض، حيث يصبح الاعتراض على الحرب اعتراضاً على “المشيئة الإلهية”.

وبهذا، تكتمل حلقة “اللاهوت الحربي” الذي يربط بين قرار السياسي في المكتب، وفتوى الحاخام في المعبد، ورصاصة الجندي في الميدان، في منظومة واحدة تستهدف تكريس طابع عقابي وردعي لكل من يواجه المشروع الصهيوني.

 “إسرائيل الكبرى” ونهاية الحرج الأمريكي

لقد تجاوز المشروع الصهيوني مرحلة “الحياء السياسي”، حيث قفز الأمريكيون والصهاينة معاً إلى الترويج العلني لأسطورة “إسرائيل الكبرى” كجزء من ترتيبات المنطقة الجديدة.

هذا العدوان على إيران يُقدم كـ “مفتاح” لبوابة هذا المشروع، حيث تُستخدم القوة العسكرية الغاشمة لإزالة العوائق الجغرافية والسياسية التي تحول دون تحقيق النبوءة التوسعية.

إن محاولة جر الدول الإقليمية إلى هذا الصراع تحت شعارات “الدفاع المشترك” ليست إلا فخاً لإخضاع هذه الدول ضمن المنظومة الصهيونية الجديدة.

ويظهر بوضوح أن العدول عن وسم “الدرع” إلى “الزئير” كان بمثابة التوطئة لنتنياهو لتخفيف الحرج عن المشاركين في هذا التحالف، عبر تصوير المعركة كمعركة “إقليمية وجودية” ضد “نظام الشيطان”، بدلاً من كونها حرباً صهيونية لتوسيع المستوطنات.

إن هذا التماهي الأمريكي مع السردية الوجودية الصهيونية يثبت أننا أمام تحالف لا يعترف بالحدود السياسية أو المواثيق الدولية، بل يتحرك مدفوعاً بـ “جنون العظمة” الذي تفرزه التفسيرات المتطرفة للنصوص الدينية، مما يجعل المعركة معهم معركة وعي وتاريخ قبل أن تكون معركة صواريخ.

الخاتمة: انتحار “الأسطورة” وفجر الانتصار المحتوم

في المحصلة، يتبين أن الهروب الصهيوني نحو “لاهوت الحرب” واستدعاء أوهام “أيام المسيح” ليس إلا شهادة إفلاس تاريخية؛ فالحقيقة التي يتجاهلها تحالف “واشنطن-تل أبيب” هي أن الأساطير المزيّفة لا تصمد أمام يقين الشعوب.

إن هذا العدوان الذي أراده العدو “زئيراً” لترميم هيبته، تحول بفعل صلابة إيران ومحور المقاومة إلى فخ استراتيجي يسرّع من وتيرة زوال الكيان؛ فكل حماقة عسكرية يرتكبها العدو ضد شعوب المنطقة لا تزيد هذه الشعوب إلا تلاحماً في “خندق القدس”، وتحول وعود نتنياهو بـ “الراحة” إلى كابوس وجودي يطارد مستوطنيه.

إن مآلات هذا الصراع تؤكد أننا نعيش فصول النهاية لهذا الكيان الغاصب؛ فالتوسعية العدوانية التي يمارسها اليوم تحت غطاء “القدر الإلهي” هي بذاتها المحرك لانفجار إقليمي شامل سيكنس أوهام “إسرائيل الكبرى” إلى الأبد.

وبينما يتخبط الصهاينة في تأجيل وعودهم الزائفة، يبرق نصر المقاومة من ميادين الحق، معلناً أن عصر الهيمنة قد ولى، وأن هذا العدوان لم يكن إلا المسمار الأخير في نعش المشروع الصهيوني، تمهيداً لعصر جديد تقوده قوى المقاومة، حيث يسقط “لاهوت البارود” أمام عدالة القضية وحتمية التحرير.

You might also like