الملك مُحَمَّد بن يَعْفُرٍ بن عَبْدِالرَّحِيْمِ اليَعْفُرِيّ حاكم الْيَمَن فِيْ الْقَرْن التَّاسِع الميلادي. [256 – 278هـ / 870 – 892م].
يعتبر مُحَمَّد بن يَعْفُر بن عَبْدالرَّحِيْمِ أحد أَهم حُكَّام الْيَمَن فِيْ الْقَرْن الثَّالِث الْهِجْرِيّ، التَّاسِع الْمِيْلادِي، وثاني ملوك الدَّوْلَة الْيَعْفُرِيَّة وأهمهم، حكم الْيَمَن كله مَا عدا تَهَامَة الَّتِي كَانَتْ تحت سلطة الدَّوْلَة الزِّيَادِيَّة، كَانَتْ عاصمته صَنْعَاء، فنقلها إِلَى شِبَام كَوْكَبَان، وَفِي السطور التَّالِيَة نُبْذَة عَن حياته وحكمه ومعاصريه.
يمانيون | صَالِح مُقْبِل فَارِع
◆ نُبْذَةٌ عنه وَعَنْ حكمه:
– هو الملك محمد بن يَعْفُرٍ بن عَبْدالرَّحِيْمِ بن إبراهيم بن يَعْفُرٍ اليَعْفُرِيّ الحوالي، ثاني حكام الدَّوْلَةِ اليَعْفُرِيَّةِ، ومن أهم حكامها.
– ابْتَدَأَ حُكْمُ محمد بن يَعْفُرٍ بعد أبيه سنة [256هـ/870م]، ثم تنازل عن السلطة لابنه إبراهيم عام [262هـ/876م]، ثم قُتل عام [279هـ/892م]، وَاسْتَمَرَّ محمد بن يَعْفُرٍ من بداية حكمه حتى مقتله 22 سنة، خِلالَ الْفَتْرَةِ: [256 – 279هـ / 870 – 892م].
– حَكَمَ مُحَمَّد بن يَعْفُر كل الْيَمَن؛ مَا عدا تَهَامَة فتركها لبني زِيَاد؛ واتسمت سني حكمه الأُوْلَى بالهدوء وَالاسْتِقْرَار وخاصة بعد أن حصل فِيْ عَام [259هـ/873م] عَلَى كتاب تَأْكِيْد من الْخَلِيْفَة الْعَبَّاسِيّ المعتمد وأخيه المُوَفَّق طَلْحَة بولايته عَلَى الْيَمَن كله من صعدة إلى حَضْرَمَوْتَ(1) باستثناء تهامة فقد تركها لبني زياد احترامًا لهم، ومن قبل كان أبوه قد استلم كتابًا مثله.
– قَامَ مُحَمَّد بن يَعْفُر بنقل الْعَاصِمَة من صَنْعَاء إِلَى شِبَام كوكبان [تتبع حَاليًّا مُحَافَظَة الْمَحْوِيْت، غرب صَنْعَاء]؛ فجعل شبامًا عاصمته؛ وأصبحت عَاصِمَة الملوك اليعفريين الَّذِيْنَ أَتَوْا بعده.
– في عهد محمد بن يعفر دَاهَم صنعاء سيلٌ كبير عام [262هـ/876م] انحدر من بلاد سنحان، هو السيل الثاني في الإسلام من حيث الكبر وحجم الخراب والتدمير(2)، خرب معظم بيوت صنعاء، قيل: إن عددها 6200 بيت، وخرب الجامع الكبير بصنعاء ودمره نهائيًّا، [يا رب سترك، وصل السيل من السائلة إلى الجامع الكبير]، وأتلف أموالاً عظيمة، وذهب بحياة ناس لا يحصون، وبعد فترة أعاد محمد بن يعفُر بناء الجامع الكبير من جديد، فبناه على الهيئة التي تراها اليوم، إذ أضاف الجزء الشرقي للجامع، ولا تصدقوا أن السيدة [سيدة] المشهورة بأروى بنت أحمد الصليحي بَنَت الجانب الشرقي للجامع الكبير؛ فهي رواية مكذوبة(3).
– سلَّم محمد مقاليد الحكم لابنه إبراهيم المشهور بأبي يعفر عام [262هـ/876م] الذي قتل والده وعمه في مسجد شبام عام 892م للتأكد من خلو السلطة له.
– أدت سلسلة من الثورات إلى طرد اليعافرة من صنعاء، فتولى حاكم عباسي حكم صنعاء لفترة، ولكن بعد عام [281هـ/895م] أصبحت الظروف فوضوية على نحو متزايد. فتولاها إِبْرَاهِيْم فِيْ عهد أَبِيْهِ مُحَمَّد بن يَعْفُر ثم سلم أبوه لَهُ السُّلْطَة كلها فِيْ عَام [262هـ/876م]؛ تَوَلَّى إِبْرَاهِيْم الحُكم؛ فخالف عَلَيْهِ وتمرد عَلَيْهِ والي الجوف مُحَمَّد بن يعيش؛ فَقَامَ أَبُوْ يَعْفُر بعزله وَوَلَّى بدلاً عنه الدعام بن إِبْرَاهِيْم الأرحبي.
– توسعت سلطة الدعام فاستقل عَنْ اليعفريين؛ ثمَّ أَصْبَحَ ينازعهم الملك؛ ودخل مَعَهُمْ فِيْ حُرُوْب ونزاعات.
– ثمَّ بعد عشر سَنَوَات من حكم مُحَمَّد بن يَعْفُر و5 سَنَوَات من حُكم إِبْرَاهِيْم بِالنِّيَابَةِ تَأَسَّسَتْ فِيْ الْيَمَن الدَّوْلَة الإِسْمَاعِيْلِيَّة الأُوْلَى أو مَا تعرف بالقرامطة؛ بِقِيَادَةِ مَنْصُوْر بن حسن بن حَوْشَب الْكُوْفِيّ وعلي بن الْفَضْل الْحِمْيَرِيّ؛ سيأتي الْحَدِيْث عنهما.
– معاصروه:
عاصره من الخلفاء العباسيين: الخليفة العباسي الْمُعْتَمِدُ أحمد ابن الْمُتَوَكِّلِ الْعَبَّاسِيّ [256 – 279هـ/ 870 – 892م]، والخليفة العباسي الْمُعْتَضِدُ أَحْمَدُ ابنُ المُوَفَّقِ طَلْحَةَ ابنِ الْمُتَوَكِّلِ الْعَبَّاسِيّ [279 – 289هـ/ 892 – 902م]، كما عاصره من حكام اليمن المجاورين له: حاكم لدولة الزيادية في زبيد الملك إِبْرَاهِيْم بن مُحَمَّد بن عُبَيْداللَّهِ بن زِيَاد [242 – 280هـ / 856 – 893م]، وابنه زِيَاد بن إِبْرَاهِيْم بن مُحَمَّدٍ بْنِ الزِّيَادِي [280 – 291هـ/ 893 – 904م]، وعَلِي بن الْفَضْل الخَنْفَرِي الْحِمْيَرِيّ، [270 – 15 رَبِيْع الثَّانِي 303هـ/ 883 – 27 أُكْتَوْبَر 915م]، مؤسس الدَّوْلَة الإِسْمَاعِيْلِيَّة (الْقَرَامِطَة) في اليمن، وعاصمته المُذَيْخِرَةُ، العُدَيْنُ، ومَنْصُوْر بن الحسن الْكُوْفِيّ، ابن حَوْشَب [مَنْصُوْر الْيَمَن]، مؤسس الدَّوْلَة الإِسْمَاعِيْلِيَّة (الْقَرَامِطَة) في الجوف.
اليمن، حكم 31 سنة، خِلال الْفَتْرَة: [270 – 11 جماد الآخر 302هـ / 883 – 31 ديسمبر 914م]، والدعام بن إبراهيم الأرحبي والي الجوف
– مَقْتَل مُحَمَّد بن يَعْفُر:
وَفِي 11 محرم 279هـ، الموافق: 12 نيسان، أبريل 892م قَامَ الملك إِبْرَاهِيْم بن مُحَمَّد بن يَعْفُر بقتل أَبِيْهِ مُحَمَّد بن يَعْفُر وعمه أَحْمَد بن يَعْفُر؛ لِلتَّأَكُّدِ من خلو السُّلْطَة لَهُ؛ قتلهما فِيْ جامع شِبَام كوكبان(4)، وَاسْتَمَرَّ إِبْرَاهِيْم (أَبُوْ يَعْفُر) فِيْ الحُكم(5).
– فوضى فِيْ الْيَمَن:
وبعد مَقْتَل مُحَمَّد بن يَعْفُر سادت الْفَوْضَى فِيْ صَنْعَاء وَفِي الْيَمَن؛ فقامت الثَّوْرَات ضد آل يَعْفُر من المخالفين لَهُمْ؛ كالدعام بن إِبْرَاهِيْم الأرحبي والي الجوف؛ الَّذِي قَامَ ينازع بنو يَعْفُر مُلكهم؛ فحاربهم وانتزع صَنْعَاء منهم؛ وطردهم؛ فانحازوا فِيْ شِبَام؛ وقام الْخَلِيْفَة الْعَبَّاسِيّ من بَغْدَاد بإرسال حاكمًا لِلْيَمَنِ من عنده؛ وَهُوَ عَلِي بن حُسَيْن جفتم؛ ولكن مَا إن وصل صَنْعَاء حَتَّى تلقاه الدعام ودخل مَعَهُ فِيْ حُرُوْب اسْتَمَرَّتْ عدة سَنَوَات؛ ولكن جفتم استطاع التغلب عَلَى الدعام وطرده من صَنْعَاء؛ فحكم جفتم صَنْعَاء فترة من الزمن؛ كَمَا أَدَّتْ هَذِهِ الْفَوْضَى إِلَى مَقْتَل الملك أبي يَعْفُر إِبْرَاهِيْم بن مُحَمَّد بن يَعْفُر؛ فَتَوَلَّى من بعده ابن عمه عَبْدالقَادِرِ بن أَحْمَد بن يَعْفُر؛ ثمَّ تمكن جُفْتُم من السَّيْطَرَة عَلَى الشِّمَال وأزاح بني يَعْفُر فترة من الزمن؛ جفتم تَوَلَّى عَلَى صَنْعَاء مرتين: المرة الأولى [279 – 282هـ / 892 – 895م]، ثم المرة الثانية [290 – 293هـ / 903 – 906م]، ثم تَوَلَّى بعده نجح بن نجاح [289 – 290هـ / 902 – 903م]، كَمَا أَدَّتْ هَذِهِ الْفَوْضَى والثورات إِلَى تغلغل الإِسْمَاعِيْلِيَّة فِيْ الْيَمَن أكثر وأكثر؛ إِذْ استطاع ابن حَوْشَب الاسْتِيْلاء عَلَى عدة حصون فِيْ شِمَال الْيَمَن؛ كمسور ولاعة وبعض حجة؛ بعد أن أسس لَهُ دَوْلَة فِيْ الشِّمَال؛ وزميله أسس لَهُ دَوْلَة فِيْ الْجَنُوْب؛ ولكن بعد عَام [281هـ/895م] أصبحت الظروف فوضوية على نحو متزايد.
– الخلاصة:
يعتبر مُحَمَّد بن يَعْفُرٍ بن عَبْدِالرَّحِيْمِ اليَعْفُرِيّ الحوالي، أَحَدُ حُكَّامِ الْيَمَنِ وَمُلُوكِهَا، وثاني ملوك الدَّوْلَةِ الْيَعْفُرِيَّةِ وأهمهم ومرسي دعائم الدولة، ابْتَدَأَ حُكْمُهُ بعد أبيه سنة [256هـ/870م]، فَحَكَمَ الْيَمَن كله ما عدا تهامة، بعد أن جاءه كتاب تأكيد من الخليفة العباسي المعتمد وأخيه المُوَفَّق طلحة، وكانت عاصمته مدينة شبام كوكبان، وَاسْتَمَرَّ 22 سنة، خِلالَ الْفَتْرَةِ: [256 – 279هـ / 870 – 892م]، وخلال حُكْمِهِ قام بنقل الْعَاصِمَة من صَنْعَاء إِلَى شِبَام كوكبان، التي أصبحت عاصمة لحكام الدولة الْيَعْفُرِيَّةِ من بعده، وفي عهده داهم صنعاء سيل كبير، خرَّب مدينة صنعاء بما فيها الجامع الكبير الذي أعاد بناءه، وفي عام [262هـ/876م] تنازل عن السلطة لابنه إبراهيم، وفي عهده تأسست الدولة الإسماعيلية الأولى في اليمن، ودخل في حروب ونزاعات مع والي الجوف الدعام بن إبراهيم الأرحبي، وَعَاصَرَ من الخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيِّينَ: والْمُعْتَمِدَ والْمُعْتَضِدَ الْعَبَّاسِيِّيَنِ، وَعَاصَرَ من حُكَّامِ الْيَمَنِ: إبراهيم الزيادي، وعلي بن الفضل الحميري، ومنصور بن الحسن الكوفي المشهور بابن حوشب، والدعام الأرحبي، وانتهى حُكْمُهُ بتنازله عن الحكم لابنه إبراهيم المشهور بأبي يَعْفُرٍ عام [262هـ/876م]، وانتهت حياته بمقتله على يد ابنه ابراهيم في جامع شبام كوكبان في 11 محرم 279هـ، الموافق: 12 نيسان، أبريل 892م.
وبعد مَقْتَل محمد بن يعفر بن عَبْدالرَّحِيْمِ تولى عَلَى صَنْعَاء ابنه إبراهيم الْمَشْهُوْر بأبي يَعْفُر ابن محمد بن يعفر، ثم عَبْدالرَّحِيْمِ بن محمد بن يَعْفُر، ثم علي بن الحسين (جُفْتُم)، المرة الأولى [279هـ 282هـ / 892م – 895م]، ثم المرة الثانية [290هـ – 293هـ / 903م – 906م]، ثم نجح بن نجاح [289هـ – 290هـ / 902م – 903م]، ثم أسعد بن يعفر [293هـ / 906م]، ثم سيطر علي بن الفضل على الْيَمَن كاملاً مستقلاً عن الدولة الْعَبَّاسِيَّة حتى إنه لم يذكر الخلفاء الْعَبَّاسِيين في الخطبة، كما كانوا هؤلاء يذكرونهم اسمًا فقط.
– المصادر والمراجع:
1- اللَّطائِفُ السَّنِيَّةُ فِيْ أَخْبَارِ المَمَالِكِ الْيَمَنيةِ؛ تأليف: العلامة المؤرخ محمد بن إِسْمَاعِيْل اللَّطَائِفُ المتُوُفِّيَ 1308هـ، تحقيق: خالد أَبَازيد الأذرعي؛ أبو حسان، مكتبة الجيل الجديد، الْيَمَن، صنعاء؛ الطبعة الأولى 1426هـ – 2005م، صـ38 – 39، تَارِيْخ حَضْرَمُوْت للحامد: تَارِيْخ حَضْرَمَوْت، تأليف: صَالِح الحامد، مكتبة الإرشاد، صَنْعَاء الْيَمَن، توزيع: مكتبة تريم الحديثة، الطبعة الثانية 1423هـ – 2003م، صـ276.
2- غَايَةُ الأَمَانِيِّ فِيْ أَخْبَارِ القُطْرِ اليَمَانِيّ [ملخص أنباء الزمن]، تأليف العلامة المؤرخ: يحيى بن الحسين بن القاسم بن محمد بن علي، تحقيق وتقديم: د. سعيد عَبْدالفَتَّاحِ عاشور، مراجعة: د. محمد مصطفى زيادة، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، مصر، 1388هـ – 1968م، منتدى سور الأزبكية، صـ162، تَارِيْخ المُطَاع: تَارِيْخ الْيَمَن الإِسْلامِيّ، تأليف: العلامة المؤرخ: أحمد بن أحمد بن محمد المطاع، تحقيق: عَبْداللَّهِ محمد الحِبشي، الناشر: منشورات المدينة، شركة دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1407هـ – 1986م، صـ70، وَفِي السلوك 200، أن السيل كَانَ عَام 266هـ، أي بعد هَذَا بِأَرْبَعٍ سَنَوَات.
3- تَارِيْخ المُطَاع صـ٧٠.
4- السلوك في طبقات العلماء والملوك، تأليف: بهاء الدين محمد بن يوسف بن يعقوب الجَنَدي، تحقيق: محمد بن علي الأكوع، مكتبة الإرشاد، صنعاء، اليمن، الطبعة الأولى، 1414هـ – 1994م، ج1 / صـ200، 201م، تَارِيْخ المُطَاع للمطاع صـ4. وتَارِيْخ صَنْعَاء، تأليف: إسحاق بن يحيى بن جرير الطبري؛ المتُوُفِّيَ سنة 450هـ، تحقيق: عَبْداللَّهِ محمد الحِبْشِي، مكتبة السنحاني، صنعاء، الْيَمَن، صـ75. وَغَايَة الأَمَانِيّ صـ165، وَاللطائف 39.
5- السلوك 1/201، وتَارِيْخ صَنْعَاء، تأليف: إسحاق بن يحيى بن جرير الطبري؛ المتُوُفِّيَ سنة 450هـ، تحقيق: عَبْداللَّهِ محمد الحِبْشِي، مكتبة السنحاني، صنعاء، الْيَمَن، صـ75.