خريف الإمبراطورية.. ترامب في مواجهة الجحيم الإيراني المفتوح

يمانيون |
لم يعد الصراع بين طهران وواشنطن مجرد جولة أخرى من جولات التوتر الدبلوماسي، بل استحال إلى زلزال إستراتيجي يضرب أركان الهيمنة الأمريكية في الصميم.

نحن اليوم نعيش لحظة تاريخية فارقة، لحظة “خريف الإمبراطورية” التي بدأت أوراقها تتساقط تحت أقدام المقاومة الإيرانية.

لقد خسرت الولايات المتحدة الأمريكية حرباً استنزفت مخيلتها وجهودها لأربعين عاماً، حرباً تحاشتها ثمانية رؤساء ونحو خمسة عشر إدارة متعاقبة، ليدفع ” ترامب” بكل ثقله ونرجسيته نحو حافة الهاوية، مكتشفاً متأخراً أن أسوار الجمهورية الإسلامية عصية على الكسر، وأن زمن “البلطجة” قد ولى إلى غير رجعة.

سيكولوجيا الهزيمة.. نرجسية “الأصفر” ومأزق الحسابات الخاطئة

يعيش الرئيس الأمريكي حالة من الغليان الداخلي، قوامها انفعالات طائشة وتهديدات جوفاء ومزاج متقلب يعكس جحيماً من الإحباطات التي باتت لا تُطاق في أروقة البيت الأبيض.

لقد اعتاد ترامب، القادم من عالم الصفقات العقارية، أن يحصل على ما يريد بالترهيب، لكنه اصطدم بصخرة إيرانية لا تفهم لغة الخضوع.

الجمهورية الإسلامية لم تسقط، ومضيق هرمز لم يفتح أمام غطرسته، بل تحول إلى خناق يضيق على عنق الإستراتيجية الأمريكية.

وما يكتبه ترامب على منصته “تروث” من تهديدات بتدمير الجسور والكهرباء والبنية التحتية المدنية، ليس إلا “إقراراً صارخاً بالهزيمة”؛ فالدولة القوية لا تهدد باستهداف المدنيين إلا حين تفشل في مواجهة العسكريين.

هذه “البلطجة” العلنية كشفت للعالم وجهاً أمريكياً قبيحاً، توقف عن التظاهر باحترام القوانين والمعاهدات الدولية، وتجسدت في “نرجسية الأصفر” التي ترى في العالم مجرد مسرح لاستعراضاتها، متناسية أن الانتصار في حرب عدوانية ضد أمة كإيران هو رهان على المستحيل.

الميدان يتحدث.. تساقط الأساطير وهروب الحاملات

وفي الميدان، تتجلى الهزيمة الأمريكية بأقسى صورها.

“أهم الطائرات الأمريكية” التي كانت تسوق على أنها معجزات تكنولوجية، تتساقط اليوم كالفراش في سماء إيران، محولة أسطورة التفوق الجوي إلى رماد.

وفي المقابل، نجد “حاملات الطائرات”، التي كانت تُرعب الأنظمة، تبتعد اليوم آلاف الكيلومترات إلى أعالي البحار، في محاولة يائسة للهروب من مدى الصواريخ الإيرانية الدقيقة التي حولت المحيطات إلى “مصيدة” للقطع البحرية الضخمة.

ولعل الفشل الأبرز تجسد في قصة “الجندي الطيار” الذي أسقطت إيران مقاتلته وسقط في جبالها الوعرة.

لقد وقفت الولايات المتحدة بكل أجهزتها الاستخباراتية وقوات “الكوماندوز” عاجزة عن إنقاذه أو الوصول إليه، رغم سيل الأكاذيب التي أطلقها ترامب لمحاولة التغطية على هذا العجز الفاضح.

هذه الحادثة لم تكن مجرد خسارة لطيار، بل كانت إعلاناً عن فشل منظومة “النجدة” الأمريكية أمام جغرافيا إيرانية معقدة وإرادة عسكرية لا تلين.

وفي هذه اللحظات العصيبة، يقف ترامب وحيداً؛ فالحلفاء الذين اعتادوا السير في ركاب واشنطن، باتوا اليوم “لا يستجيبون للنجدة”، مفضلين الابتعاد عن رجل مسكون بالعجاب والاستعراض، ومدركين أن إيران “مختلفة تماماً” عما صوره لهم الخيال الأمريكي الهوليودي.

الانهيار الاقتصادي.. جحيم يرتد على صانعه

وبينما كان ترامب يعد شعبه بجعل “أمريكا عظيمة مرة أخرى” عبر محاصرة إيران، انقلب السحر على الساحر.

لقد بدأت آفة البطالة تنهش في الداخل الأمريكي، وبدأت أسواق “الوقود والرقود” تشهد ارتفاعات جنونية لا تتوقف، محطمة أرقاماً قياسية لم تبلغها من قبل.

إن التهديد بضرب قطاع الطاقة في إيران هو بمثابة “انتحار اقتصادي” عالمي، إذ سيعني ذلك إغراق المنطقة والعالم في “ظلام غير مسبوق”.

ترامب، بجهله الجيوسياسي، لم يدرك أن المساس بأمن الطاقة الإيراني هو مساس بأمن كل بيت في الغرب.

واليوم، يعيش المواطن الأمريكي تداعيات هذه الحماقات، حيث يتحول “الضغط الأقصى” من أداة ضد طهران إلى “خناق أقصى” على معيشة الأمريكيين أنفسهم، مما يجعل من طموحات ترامب في “تفكيك البرنامج النووي والصاروخي” مجرد سراب يتبخر أمام واقع الجوع والركود.

موعد “الثلاثاء” وسيناريو الانتحار الجماعي

وما يقوم به ترامب اليوم من حشد وتحديد لمواعيد استعراضية، وآخرها موعد “الثلاثاء المقبل”، ليس إلا استعداداً تاماً للانتحار السياسي.

الهدف الذي توهمت واشنطن وكيان العدو الإسرائيلي تحقيقه –وهو إسقاط النظام أو تدجينه– تحول تدريجياً إلى هزيمة واضحة يصعب ترميمها.

يبحث “العدو” اليوم بائساً عن أي وسيلة لإيقاف الحرب دون إعلان الهزيمة، ويحاول الحصول على “سيادة نصر” وهمية عبر فتح جزئي لهرمز، لكن المبادرة باتت بالكامل في يد طهران.

إن الجحيم الذي يهدد به ترامب، تعيشه فعلياً إدارته العسكرية والسياسية والاقتصادية.

وهو في محاولته الأخيرة، يسعى لتوزيع هذا الجحيم على “أدواته في المنطقة”، أولئك الذين وضعهم في نطاق تداعيات التهديد وجعلهم وقوداً لمعركة خاسرة سلفاً.

إن ضرب الطاقة الإيرانية لن يكون مجرد عمل عسكري، بل سيكون الشرارة التي تشعل المنطقة بأكملها، وتحول القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط إلى ركام وتجعل أسعار النفط تصل إلى أرقام خيالية تقضي على ما تبقى من النظام المالي العالمي.

الختام: زمن الانكسار الأمريكي وبزوغ فجر السيادة

في نهاية المطاف، تكشف الأحداث أن “خريف الإمبراطورية” ليس مجرد استعارة، بل هو واقع معاش.

ترامب، بنرجسيته وصفاته التي تفتقر لأدنى مستويات الحكمة، قد أهدر ما تبقى من هيبة لبلاده.

لقد أثبتت إيران أنها الدولة التي لا يمكن تجاوزها، وأنها القوة التي استطاعت كسر غطرسة ثمانية رؤساء أمريكيين.

إن الخلاصة المريرة لإدارة ترامب هي أن الانتصار في الحرب العدوانية على إيران “بعيد المنال”، وأن كل تهديد يطلقه “الرجل الأصفر” ليس سوى مسمار جديد في نعش الهيمنة الأمريكية.

لقد انطلقت إيران نحو أفق جديد من القوة والسيادة، بينما يتخبط ترامب في جحيم إحباطاته، منتظراً “ثلاثاءه” الذي لن يجلب له سوى مزيد من الانكسار، ليبقى التاريخ شاهداً على أن البلطجة قد تروع الضعفاء، لكنها تتحطم دائماً أمام إرادة الشعوب العظيمة.

You might also like