الإساءة إلى القرآن .. وجه آخر للحرب على وعي الأمة

يمانيون| بقلم: عبدالحكيم عامر
لم تعد الإساءات المتكررة إلى القرآن الكريم مجرد تصرفات فردية معزولة، بل أصبحت جزءاً من حرب دينية وثقافية تستهدف الأمة الإسلامية في عقيدتها وهويتها، ففي كل حادثة إحراق للقرآن الكريم أو الإساءة إلى المقدسات الإسلامية، يتم توفير الحماية السياسية والقانونية والإعلامية لمنفذيها، يكشف أن المسألة لم تعد مرتبطة بحرية الرأي بقدر ما ترتبط بحرب دينية وثقافية وفكرية منظمة تستهدف المرجعية القرآنية للأمة الإسلامية، وتسعى إلى إضعاف ارتباط المسلمين به وبمقدساتهم وقيمهم الجامعة.
إن القرآن الكريم شكّل عبر التاريخ مشروعاً متكاملاً للحياة به تُصنع وحدة الأمة وتُبني وعيها،  وبه تستطيع الأمة بناء منظومة إستراتيجية لمواجهة الظلم والطغيان والإحتلال من قِبل أعدائها من اليهود والنصارى، ولهذا السبب تحديداً ظل القرآن الكريم يمثل مصدر قلق وخوف لليهود والنصارى وغيرهم من قوى الهيمنة والإستعمار، لأنه يصنع إنساناً يحمل الإيمان  والإرتباط بالله فيعيش حراً يرفض الخضوع والاحتلال والاستعباد، وتكشف الإساءات المتكررة للقرآن الكريم عن حجم العداء المتجذر تجاه الإسلام، ومحاولة النيل من قدسية القرآن في نفوس المسلمين، باعتباره المصدر الأهم لبناء الوعي الجمعي والحفاظ على الهوية والإيمانية والثقافية للأمة.
ومن هنا تأتي حملات الإساءة للقرآن الكريم ضمن سياق أوسع من الحرب النفسية والدينية التي تستهدف الأمة الإسلامية من قبل الصهيونية، فتسعى هذه الحملات إلى كسر حالة التعظيم والارتباط الإيماني للقرآن في نفوس المسلمين، وخلق حالة من الإحباط والانهزام النفسي لدى الشعوب الإسلامية، تمهيداً لإفراغ المجتمعات الإسلامية من مناعتها الإيمانية والثقافية والأخلاقية وإعادة تشكيل وعيه وقيمه وثقافته بما يخدم مشاريع الصهيوأمريكية.
كما أن هذه الحملات تتزامن مع مشاريع أوسع تقوم بها الصهيونية لتفكيك الهوية الإسلامية عبر نشر الانحلال الثقافي، وتشويه القيم الأسرية، وإضعاف اللغة العربية، وإبعاد الأجيال الجديدة عن القرآن الكريم والثقافة الإسلامية، في محاولة لإنتاج مجتمعات مفككة يسهل إخضاعها وإذلالها ونهب ثرواتها في كل المجالات.
ومن هنا، فإن على الأمة العربية والإسلامية مسؤولية كبرى لمواجهة هذه الحرب التي تستهدف ركيزة دينها وهويتها، فلمواجهة هذة الحملات يتطلب مشروعاً متكاملاً لتعزيز الثقافة القرآنية وترسيخ الوعي القرآني في الأمة، وربط الأجيال الجديدة بالقرآن الكريم ثقافتاً وسلوكاً وعملاً، وبناء إعلام قرآني واعٍ يدافع عن المقدسات ويكشف حملات التشويه وتوضيح القرآن للأمم الأخرى، ودعم وحدة الأمة وتماسكها في مواجهة مشاريع التفكيك، وإعادة الاعتبار للقرآن الكريم باعتباره كتاباً عظيماً ومرجعية جامعة للأمة ومصدراً للقيم والقوة والوحدة، فتعظيم يتحقق بالعودة إلى تعاليمه وتحويلها إلى سلوك عملي ومشروع حضاري يحصّن المجتمعات من الاختراق الفكري والثقافي.
إن المرحلة الراهنة تفرض على الأمة الإسلامية أن تتحرك بوعي ومسؤولية دفاعاً عن مقدساتها، وأن تترجم حالة الغضب الشعبي إلى مشروع وعي وثقافة وموقف قوي يحفظ للقرآن مكانته في النفوس والحياة، فالأمة التي تتمسك بكتابها وتستمد منه قيمها وهويتها وقوتها لا يمكن أن تُهزم أو تُستعبد مهما اشتدت عليها حملات العداء والاستهداف.
ويبقى الخطر الأكبر في حالة التهاون والتفريط والصمت مع هذه الاعتداءات، لأن ذلك يفتح المجال أمام الأعداء للمضي في مخططاتهم العدوانية التي تستهدف الأمة في دينها وثقافتها ووعيها، أما حين تستعيد الأمة حضور القرآن في حياتها ومواقفها، فإنها تستعيد في الوقت نفسه عناصر القوة والمناعة والقدرة على مواجهة مشاريع الهيمنة والإفساد.

You might also like