من الجبال إلى السهول.. مبادرات مجتمعية لشق الطرق والري وزراعة البن في صنعاء وحجة والحديدة
يمانيون|
في ظل التحديات الراهنة التي تمر بها البلاد جراء العدوان والحصار ، تبرز المبادرات المجتمعية في المحافظات كخيار استراتيجي لا غنى عنه لتحقيق التنمية وتخفيف معاناة المواطنين.لم يعد الدور المجتمعي مقتصرًا على الدعم البسيط، بل تحول بفضل الوعي المتنامي والجمعيات التعاونية إلى ركيزة أساسية في بناء البنية التحتية وحماية الموارد الزراعية.
من قمم جبال حجة الوعرة، إلى سهول تهامة المنبسطة، وصولاً إلى مدرجات صنعاء المزدانة بأشجار البن، يرسم اليمنيون ملحمة من التكافل والاعتماد على الذات.
هذا التقرير يسلط الضوء على سلسلة من المبادرات النوعية التي شهدتها مديريات كعيدنة وأفلح اليمن ووضرة والقناوص والحيمة الداخلية خلال الأسبوع الماضي، والتي تجسد وحدة الهدف بين المجتمع والجهات الرسمية في سبيل النهوض بالواقع الخدمي والزراعي.
حجة.. ملحمة شق الطرق وكسر العزلة الجبلية
تتصدر محافظة حجة المشهد التنموي عبر ثلاث مبادرات حيوية في مديريات كعيدنة وأفلح اليمن ووضرة، تهدف جميعها إلى تسهيل حركة التنقل وربط المناطق المحرومة.
في مديرية كعيدنة، أطلق الأهالي مبادرة واسعة لشق وإصلاح وتوسعة طريق “تجمع المدابر – بني الجوهري – بني نشر” بطول 3 كيلومترات.
هذا المشروع الذي تنفذه جمعية كعيدنة التعاونية يمثل شريان حياة يهدف لإنهاء عزلة دامت طويلاً وتسهيل نقل المرضى والسلع بين القرى والمناطق المجاورة.
وفي مديرية أفلح اليمن، حقق الأهالي إنجازاً ملموساً بشق 1100 متر من طريق قرية “المعزاب” الواصل إلى مديرية المحابشة، بإشراف جمعية أفلح اليمن التعاونية وإسناد وحدة التدخلات المركزية.
أما في مديرية وضرة، فقد تجلى التلاحم المجتمعي في رصف الطرق الوعرة بقرى شراقي وضرة (الذوالية، الموركة، السيال، والكاس)، حيث شارك الأهالي في قطع الأحجار وبناء الجدارات الساندة، في صورة تعكس روح المسؤولية العالية تجاه تحسين الخدمات الأساسية في المناطق الجبلية الوعرة.
الحديدة.. تحصين الأراضي الزراعية في القناوص
وفي سهول تهامة بمحافظة الحديدة، أخذ العمل المجتمعي طابعاً وقائياً وتنموياً لحماية الثروة الزراعية.
ففي مديرية القناوص، انطلقت مبادرة استراتيجية لإصلاح قنوات الري في “وادي الغليسي” والحواجز الترابية، تهدف إلى حماية قرى “الحزر والبواح” من مخاطر السيول المتوقعة خلال موسم الأمطار.
هذه المبادرة، التي جاءت بتنسيق مع جمعية القناوص التعاونية وبدعم من هيئة تطوير تهامة والسلطة المحلية بتكلفة بلغت 4.5 مليون ريال، لم تكن مجرد عمل طارئ، بل استندت إلى دراسات ميدانية واقعية لضمان الاستغلال الأمثل لمياه السيول في ري الأراضي الزراعية وحماية الممتلكات.
إن نجاح هذه المبادرة يبرهن على أهمية التكامل بين الجهد الرسمي والمجتمعي في تحقيق الاكتفاء الذاتي وحماية البنية التحتية الزراعية في “سلة غذاء اليمن”.
صنعاء.. استعادة “الذهب البني” في مدرجات الحيمة
وانتقالاً إلى محافظة صنعاء، وتحديداً في مديرية الحيمة الداخلية، اتخذت المبادرات المجتمعية بُعداً اقتصادياً استراتيجياً يهدف إلى تعزيز السيادة النقدية والزراعية.
ففي عزلة “بني عمرو”، نفذ المزارعون مبادرة ذاتية لغرس ثلاثة آلاف شتلة بن يمني أصيل، بالتنسيق مع جمعية عزلة بني عمرو التنموية ومكتب الزراعة.
هذا التوجه نحو التوسع في زراعة البن يمثل وعياً مجتمعياً متقدماً بأهمية المحاصيل النقدية التي ترفد الاقتصاد الوطني بالعملة الصعبة وتوفر استقراراً معيشياً للأسر.
وقد أكد المزارعون من خلال هذه المبادرة عزمهم على استبدال شجرة القات بمحاصيل البن عالية الجودة، داعين الجهات المختصة لتعزيز هذا التوجه عبر بناء السدود والحواجز المائية لضمان استدامة هذه الزراعة التاريخية وتحسين جودة الإنتاج وتسويقه عالمياً.
خاتمة: المبادرة كمنهجية للاستدامة والسيادة
إن هذه المبادرات المتزامنة في حجة والحديدة وصنعاء تؤكد أن المجتمع اليمني امتلك زمام المبادرة، وتحول إلى شريك فاعل في عملية البناء والإعمار.
لقد أثبتت التجارب الميدانية أن التلاحم بين سواعد المواطنين وإشراف الجمعيات التعاونية وإسناد الجهات الرسمية هو الرهان الرابح لتجاوز تحديات الحصار والعدوان.
إن استدامة هذا الزخم الشعبي تتطلب استمرار الدعم الفني واللوجستي، لتظل المبادرة المجتمعية هي العنوان الأبرز لليمن القوي، القادر على شق طريقه نحو الاكتفاء والازدهار بإرادة لا تنكسر.